هكذا تجري الأمور في الأردن. حكومة (فيصل الفايز 2003) تأتي بجلبة كبيرة عنوانها الاصلاح السياسي والتنمية السياسية وتنشئ وزارة خصيصا لهذه المهمّة التي تتصدر برنامجها الرسمي الذي تأخذ عليه الثقة ثم بعد عام تنقلب أولوياتها وتصرف وزير التنمية السياسية في تعديل تتحول معه الى "التنمية الادارية".
وحكومة (نادر الذهبي 2008) تكنوقراطية صرفة لا شأن لها بالسياسة وتأتي بهدوء وتواضع حاملة برنامجا مهنيا اقتصاديا تأخذ على أساسه الثقة، ثم بعد عام تنقلب أولوياتها وتجري تعديلا يجلب سياسيا حزبيا للتنمية السياسية، وتعلن في أول اجتماع لها بعد التعديل عن توجه للاصلاح السياسي بعمل ملموس لتغيير القوانين الناظمة للعمل السياسي.
أنا لا أعرف ما الذي حدث على وجه اليقين في الحالتين، ولنقل إنها من "ألغاز" الحياة السياسية الأردنية أو طرائفها أو خصوصيتها.
تخيلوا كم من المبادرات واللجان والهيئات التي تشكلت واجتمعت على مدار عمر الحكومات الماضية بهدف وضع الافكار والتصورات والاستراتيجيات والمقترحات حتّى لم تترك مزيدا لمستزيد من دون أن يتمخض كل ذلك الخضّ عن خطوة عملية واحدة، ثم تأتي حكومة لم تفتح حوارات ولم تشكل لجانا ولم تدّعِ تصورات لتقول ببساطة انها بصدد تغيير القوانين الناظمة للعمل السياسي.
واقع الحال أن الحكومة التي هوجمت بشراسة من مقالات وتعليقات على التعديل الواسع، الذي اجرته فاجأت الرأي العام بأول اعلان لها صبّ كله على الاصلاح السياسي وليس بالانشاء العام بل بالحديث عن تغيير على القوانين، وعلى رأسها قانون الانتخاب، لتتلاقى على غير توقع منهم مع الأحزاب والنقابات وقوى المجتمع وفعالياته في مطالبهم المزمنة للاصلاح السياسي.
لا داعي أن ننقسم الى متفائلين ومتشائمين، أو نستحضر قصصا سابقة عن اعلانات وتوجهات ذهبت ادراج الرياح، لكنني اقترح ان نحسب للحكومة شيئا واحدا هذه المرّة، انها لم تعلن عن تشكيل هيئات أو لجان يجب ان تجتمع وتتحاور لشهور قبل ان تقدم تصورا يوضع لاحقا على الرفّ.
أعرف انني متهم بالتفاؤل الأبدي، وأترك نفسي أُقرص من الجحر عشر مرات، لكن لنقل انها الخصوصية الاردنية مرّة أخرى.. تستهلك المصداقية مرّة تلو المرّة حتى لا يبقى في الرصيد فلس ثم من دون مقدمات يصدق إعلان من جهة ما - كهذه الحكومة مثلا – لم يسبق ان بشّرت أو ادّعت بمشروع للاصلاح السياسي.
على كل حال المحاضر متخمة بالحوارات والأدراج مترعة بالأفكار التي صاغتها هيئات ولجان وبالحدّ الأقصى يمكن تلقي آراء وردود حول المقترحات. طبعا الانفتاح والحوار مطلوب دائما مع النواب والاحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وقوى المجتمع المحلي، لكن ابدا ليس العودة بموضوعات الاصلاح الى حوار من نقطة الصفر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد