نغرق في الشعارات. يرتفع الصوت يصرخ باللامنطق واللامعقول. العمل مؤجل. والكلام لا يتوقف. أصبحت الواقعية انهزاماً. وباتت المتاجرة بأوجاع الناس وطنية. يقتلون الأوطان ويتغنّون بها. يدمرونها ويزعمون الذّود عنها. يسفّهون العقول فيقتلون المستقبل.
العالم العربي يعاني أزمة فكر. وأزمة سياسة. وأزمة ثقافة. وأزمة اقتصاد. دائرة من الفشل تتسع. حكومات أغوتها السلطة فأحالت الأوطان مراتع. تملّكها الغرور فافترضت الوصاية على عقول الناس ومصيرهم.
قومجيون لا قوميون. القومية منطلقاتها الإيمان بالأوطان وأهدافها خدمتها. أما القومجيون فتجّار شعارات يعتاشون على إحباط الشعوب وتيئيسهم. وإسلامجيون لا إسلاميون. فالإسلام دين عدل وعدالة. رسالة إنسانية وحضارة. أما الإسلامجيون فأعداء قيم الدين. يشوّهون رسالته. يعتبرون الإرهاب جهاداً. ويمجدون قتل الأبرياء انتصاراً. عبثية تدمر. وعدمية تهدم.
يواجه العرب صراعات وأعداء كثرا. وتظل إسرائيل العدو الأول الذي لا يتوقف عن السعي إلى تقويض أوطان العرب وتمزيقها. لكن مواجهة إسرائيل لا تكون بالانغماس بالفشل، بزرع اليأس في مجتمعات العرب. لا تكون بالسماح للإحباط أن ينتشر كالسوسة المخربة في بنية المجتمع الفكرية.
يعاني العرب أزمة نهضة. ولا بشائر بأن تلك المعضلة إلى زوال. لا استنارة تكسر عتمة الضلالية التي تنتشر في ثقافة العرب كالنار في الهشيم. ولا اعتراف بحجم الأزمة خطوة أولى على طريق معالجتها.
يتحمل النظام الرسمي العربي وزر التدهور في حال العرب. لكن مسؤولية "النخب" السياسية والثقافية كبيرة أيضاً. لا الحكومات صلحت فأصلحت. ولا القوى المجتمعية اتعظت فأسهمت في وقف الانهيار.
العدو الخارجي، على عظم خطره، صار علاّقة تحمّل عليها خطايا الفشل السياسي والفكري العربي. أنظمة امتهنت توظيف الخطر الخارجي لإعماء العيون عن الخطر الذي تمثله. و"قوى مجتمعية" استعملته لتخفي عجزها عن إنتاج نهضة فكرية تحمي المنظومة القيمية وتعمم قيم الاستنارة.
الراهن ينذر بانهيار أكبر. الفشل يتراكم. والضحية شعوب تتكسر حقوقها وطموحاتها بين سندان سلطوية الحكومات ومطرقة ديكتاتورية اجتماعية تزداد ضيقاً بالتنوع والفردية وتظل أسيرة عقائدية تنتمي إلى عصور ما قبل الحضارة.
المعركة ضد العدو الخارجي صعبة. لكن حتى خوضها بالحد الأدنى من القدرة على المواجهة يتطلب الانتصار على العدو الداخلي أولاً، على القمع وعلى الرفضوية، على التخلف السياسي وعلى التراجع القيمي. وتلك معركة لم تبدأ بعد. وهنا المأساة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد