لم يُطِل سمير قصير على قراء "الغد" طويلاً. اغتيل بعد أسابيع قليلة على انضمامه إلى أسرة الصحيفة كاتباً أسبوعياً. لكن من تابع سمير قصير، مؤلفاً ومؤرخاً ومفكراً وصحافيا عبر الزميلة "النهار"، وعبر عديد كتب ومؤلفات، يعرف حجم الخسارة التي تعرض لها التيار الإصلاحي التنويري بكسر قلمه.
مر عامان منذ أسكتوه. اغتالوه وهو في ذروة فرحته إذ بدأ ربيع الحرية في بيروت يزهر. كانت فرحة قصيرة. وربما كانت غير واقعية. لكنها كانت فرحة صادقة بإنجاز اعتقده سمير بداية لحقبة جديدة من الديمقراطية والاستنارة والإنسانية في لبنان.
دفع سمير حياته ثمن إيمانه بحقه واللبنانيين والعرب في الحرية. كان يعرف صعوبة الربيع. لكنه كان مؤمنا بحتميته أيضاً. تفاءل أكثر من اللازم؟ ربما. آمن لأنه أراد أن يؤمن لا لأن عتمة القمع فعلاً تكسرت؟ ربما. بيد أن الثابت أن سميرا كان ينهل من نبع لا ينضب من التصميم والإرادة على الإسهام في إنهاء شقاء لبنان وشقاء العرب.
أرعبهم تفاؤله. أرّقتهم بسمته. أعماهم حقدهم. فقتلوه عبر تفجير سيارته أمام منزله ومنزل رفيقة دربه جزيل خوري في الأشرفية في بيروت في الثاني من حزيران (يونيو) 2005.
لم يكن سمير سياسياً رغم أنه عمل بالسياسة. تحالف مع المبادئ لا مع التنظيمات. كان مفكراً يتفاعل مع راهن وينوّر لمستقبل أفضل لا عقائدياً ضيقَ الأفق. وهنا كان مكمن خطره على أعداء لبنان الذين ضاقوا بصدق قلمه وعمق أثره فكسروه.
غُيِّبَ سمير قبل أن تتفاقم قوى الضلال على وطنه. لم يشهد العدوان الإسرائيلي على لبنان. لم ير الربيع يتقهقر نتيجة صراع فرضته قوى سياسية ترفض الاعتراف بنهائية الوطن اللبناني وتصر على أن تبقيه ورقة في يد من لا يأبهون لمصيره.
لا أعرف ماذا كان سيفعل سمير إزاء ذلك. كان سيحزن. سيغضب. سيسمي الأشياء بأسمائها. سيقف بفكره وقلمه ضد ثقافة الموت والتفرقة ومحاولات تقزيم الوطن إلى طوائف ومذاهب. لكنه ما كان لييأس. فللناس في الحرية والحياة عنده حق يستحق الدفاع عنه بالكلمة والفكر والأمل.
ذات لحظة شعر سمير أن قوى الظلام في لبنان خرجت ولن تعود. اعتقد أن اللبنانيين سيحمون ربيع حريتهم. كم كان مخطئاً! وها هي الذكرى الثانية على وفاته تمر ولبنان يواجه حرباً جديدة ضد شر آخر زرع بين ثناياه. وها هو الخوف يسكن البلد، والقوى التي اغتالت سمير تحاول اغتيال لبنان كله.
لكن وسط كل هذه العتمة ثمة بصيص نور. الملايين من اللبنانيين صامدون في وطنهم. يرفضون الاستسلام. يتمسكون بالحياة. وها هي المحكمة الدولية التي ستحاكم من اغتال سميرا ورفيق الحريري وجورج حاوي وجبران تويني وغيرهم صارت حقيقة.
لن تعيد المحكمة سمير قصير إلى الحياة. لكنها ستستهدف تحقيق العدالة. وهذا أقل ما يستحقه سمير ومن دفع مثله حياته ثمناً لحرية لبنان. لا صرخات للثأر هنا. فالثأر غريزة لا تنسجم مع فكر سمير وإرثه. لكنها إصرار على العدالة. والعدالة والحرية إرث سمير الذي سيبقيه حياً يزداد حضوراً واخضرارا كلما تعاقبت السنوات على رحيله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد