تتحمل الحكومة مسؤولية عدم إنجاز قانون انتخاب جديد يسهم في إنضاج مسيرة الدمقرطة في البلد. ويشاركها مجلس النواب المنتهية ولايته المسؤولية إذ لم يمارس حقه الدستوري في المطالبة بتشريع يعالج نواقص القانون الحالي. لكن ذلك وراءنا الآن. الانتخابات ستجري نهاية العام حسب القانون الحالي.
يحاجج كثيرون أن القانون الحالي سيحول دون انتخاب مجلس نوّاب مختلف عن سابقه الذي أظهرت استطلاعات الرأي عدم رضا المواطنين عن أدائه. وهذه محاججة تستند إلى قراءة دقيقة لعيوب القانون الذي يشجع الفردية ويقف عائقاً أمام العمل السياسي المؤسساتي.
لكن تلك النواقص تفرض على القوى السياسية أن تفعل كل ما في وسعها لتقليل ضرر القانون على العملية الانتخابية. هذا يتأتى من خلال العمل مجتمعة على دعم مرشحين يملكون مؤهلات الإسهام جدياً في خدمة عملية الإصلاح. ويمكن للقوى السياسية، أحزاباً ومؤسسات مجتمع مدني أخرى، أن تطلق جهداً عاماً يتجاوز الولاءات الحزبية والمصالحية لتعميم معايير للمرشح المناسب ولتشجيع المواطنين على التصويت لصالحه.
ما الذي يمكن أن يدفع القوى السياسية والمجتمعية لدعم مرشحين لا ينتمون تنظيمياً أو عقائدياً أو فكرياً لها؟ مصلحتهم. فالأحزاب، عدا حزب جبهة العمل الإسلامي، لا تملك القواعد الشعبية التي تضمن لها نجاح مرشحيها. للاستثمار في دعم مرشح مستقل على أساس أدائه وقدراته عائد أفضل من إضاعة الجهد في دعم من لا فرص له.
الأهم من ذلك أن تحسين سوية أداء مجلس النواب سيضمن أن السلطة التشريعية ستقف إلى جانب الإصلاح لا ضده. المجلس المنتهية ولايته وقف، في معظم الأحيان، عائقاً أمام الإصلاح. سبب ذلك اقتناع الكثيرين فيه أن الإصلاح باب خروجهم من النيابة. مجلس أفضل سيدعم الإصلاح الذي تحتاجه القوى السياسية المنظمة لتعظم حضورها وتبني وجودها في المجتمع.
بيد أن ضمان انتهاء الانتخابات القادمة إلى مجلس ذي إمكانات أفضل من سابقه هو في يد المواطن. ثمة منافسة حادة على أصوات الناخبين. بعض المرشحين سيطلب الأصوات من باب الولاءات العشائرية أو المناطقية أو العائلية. بعض آخر سيعتمد على شعارات تحاكي هواجس وتخاطب مخاوف وتحاول أن تستفيد من مشاعر غضب وإحباط ولدتها البيئة السياسية الإقليمية والمعاناة الاقتصادية.
ولكل هذه العوامل أثرها على اقتناعات الناخبين. والخيارات ستكون صعبة في مواجهة استقطابات وإغراءات وحتى عمليات ابتزاز عاطفية وسياسية. لكن أمام المواطن سجل المجالس السابقة الذي يوفر له أسساً واضحة لاستنباط المعايير التي يستطيع أن يبني قرار منح صوته عليها. هل نفعت الشعارات؟ هل استطاع النواب الذين انتخبوا من دون أن يقدموا برامج يقوَّم أداؤهم على أساسها خدمة المواطنين ومعالجة همومهم؟
لا شك أن لقانون الانتخاب أثرا كبيرا في تركيبة مجلس النواب. لكن الأثر الأكبر هو للناخبين، الذين يستطيعون أن يجبروا المرشحين أن يحترموهم من خلال تقديم برامج وخطط يطلبون أصواتهم على أساسها.
الأصوات التي تنادي بأن يتحرر المواطنون من ولاءاتهم المنافعية والعشائرية وهم يختارون مرشحيهم غير واقعية. فالعشيرة والعائلة تظل الوحدة التأطيرية الأقوى في المجتمع. لكن تشجيع المواطنين على اختيار من يثبت سجله وبرنامجه أنه الأقدر على الخدمة العامة من بين أبناء العائلة أو العشيرة أو المنطقة منحى يملك مقومات القبول.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد