أمس، وأنا اتابع الردّ الهادئ والرزين و"الأمين" لرئيس مجلس الأعيان ورئيس الوزراء المخضرم زيد الرفاعي على رواية هيكل وتحليله لتلك الأحداث الجسام خطفتني موجة تأمّل في التاريخ موضوع الحلقة.
كنت عام 67 في الرابعة عشرة من عمري، ومع ذلك في هذا الوقت المبكر، وبفعل البيئة المحيطة كنت مُسيَّساً ومتابعاً بما فيه الكفاية لأعي الأحداث، وعيانيا شاهدت الطائرات الإسرائيلية تضرب مطار المفرق قبالة بيتنا وكان الأخير في الحيّ الشمالي تمتد أمامه البريّة الخالية حتّى المطار في الشمال الشرقي، تدمرت طائرات الهوكر هنتر وبعضها كان قد عاد للتزود بالوقود ومن بينها كما عرفنا لاحقا طائرة الشهيد فراس العجلوني الذي صعد إلى طائرته في سباق مع الوقت للتحليق والتصدّي لطائرات العدو لكن صاروخا قصفه وطائرته تسير على المدرج.
لم نقدر حجم الخسارة وقتها، وكان الحماس في ذروته والشباب الأكبر سنا يلتقون ويذهبون الى المعسكر القريب يطلبون الالتحاق بالقتال وهم لم يكونوا قد تدربوا أبدا على حمل السلاح.
في الشهر الأخير قبل الحرب كان الرأي العام يغلي وينتظر الحرب ولا يريد شيئا غيرها, والإعلام المصري يشعل حماسة مجنونة أصبح النظام نفسه ضحيتها؛ فهو يعبئ الرأي العام على المواجهة ويضطر لاتخاذ إجراءات تصعيدية سيتضح لاحقا انه لم يقصد منها أبدا الوصول الى الحرب التي لم يكن جاهزا لها. ويمكن ان نفهم تماما قرار الحسين حينها بالمشاركة, فلم يكن الموقف يحتمل إطلاقا الوقوف والتفرج، وإنها لمن المفارقات في التاريخ ان تضطر لقرار يفرضه الجو المحيط وأنت تعرف تماما عواقبه الفادحة.
كانت مصر سيدة القرار العربي ونظام عبدالناصر يتحمل المسؤولية بالكامل، الجمهور عندنا لم يتوقع طبعا انهيار الجبهة الأردنية بهذه الطريقة, لكن الذهول التام والتساؤلات المضنية كانت عمّا حدث على جبهة مصر وداخل مصر التي كان الرأي العام العربي يعوّل عليها. وقبل ان تفيق الجماهير من الذهول كان عبدالناصر يظهر على الرأي العام بصوته المتدهج عبر المذياع ليعلن بصورة دراماتيكية استقالته وتحمّله كامل المسؤولية عمّا حدث، ففجّر ثورة عاطفية في نفوس الجماهير التي رأت فيه ضحية مؤامرة كبرى فتعلقت به لردّ الاعتبار والثأر للكرامة المهدورة.
يا لها من أوقات، لا ادري ان كان مرّ في تاريخ العرب الحديث ما اثار انفعالات شعبية بهذا الحجم. كنت اراقب شيئا من ذلك الهياج عندنا قبل حرب الخليج الثانية بأيام، والناس تهتف "بالكيماوي يا صدّام"، وأشفق على هذا الاندفاع العاطفي من خيبة جديدة حتمية، وكأننا لا نتعلم من التاريخ شيئا. إن ملاحظتي القديمة والمتجددة على هيكل المؤرخ أنه لا يقدم قراءة صادقة ومؤتمنة تفيد بإعطاء الدروس الصحيحة للأجيال، فهو يمارس انتقائية واستعراضا، واحيانا أسطرة وخيالية تضلل العقول ولا تفيد الناس في فهم التاريخ والحقيقة للاتعاظ بهما.
بعد نكسة 67 الرهيبة امتلأت الصحف بالروايات والأساطير، التي تريد إشباع نهم الجمهور لفهم حقيقة ما حدث، لكن بعد عامين كنت قد أصبحت ماركسيا مغتنيا وواثقا بأدوات التحليل "المادّي- العلمي" للتاريخ لا يحتاج الى روايات بوليسية ومؤامراتية لفهم وشرح الظواهر والأحداث، وأصبحت لدي قراءة مختلفة كليا، وبت أقرأ نقديا مقالات هيكل التي تطالعنا بها أسبوعيا صحيفة الأنوار اللبنانية التي كانت توزع في إربد وتنشر مقالات هيكل بالتزامن مع الأهرام.
اليوم أتابع من حين لآخر حلقاته التي يعود بها الى ذلك التاريخ، وأراه يذهب الى الهوامش، ويعيد ويزيد عليها ويتجاهل تفاصيل وقصصا تملأ مجلدات عن الأخطاء والخطايا والصراعات في قلب البيت الذي كان هو أحد عناوينه، فلا يفيد التاريخ ولا الجمهور في تكوين وعي ومعرفة سليمة هي مسؤولية شخص يتصدّى مثله لهذا الدور في زيارة التاريخ.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد