كان متوقعاً أن يعترض مربو المواشي على قرار الحكومة تخفيض دعم الأعلاف. فالقرار يعني كلفة مضافة على بعض يستحق الدعم وتراجع في الأرباح بالنسبة الى بعض اكثر عدداً موّلت الحكومة تجارته من ضرائب المواطنين. لكن لا يمكن تبرير أحداث الشغب التي تبعت القرار والتي تَمْثُل خطورتها في عكسها لظاهرة استسهال الاعتداء على الممتلكات العامة وخرق القانون في أي لحظة يتخذ فيها قرار لا يعجب فئة أو أخرى.
ولا أحد غير مؤسسة الحكومة يتحمل مسؤولية انتشار ثقافة الاستقواء على الدولة. سياسة الاسترضاء تكرّست منهج عمل لعديد حكومات دفنت رؤوسها في الرمال حين كان عليها مواجهة ممارسات أضعفت سلطة القانون وقللت من ثقل مؤسسات الدولة.
فقضايا سرقة ماء الدولة عبر حفر آبار غير مرخصة معروفة وما تزال عصية على حل. وكذلك مسألة الاعتداء على الأراضي وسرقة الكهرباء والاعتداء على الموظفين الرسميين حين يحاولون تطبيق القانون أو حماية المال العام.
وأسهمت الحكومات في نشر ثقافة الاستقواء على الدولة أيضاً بتراجعاتها المتكررة عن قرارات اتخذتها لفرض سيادة القانون وحماية المال العام من أشخاص أو مجموعات أباحوا لأنفسهم ادعاء حقٍ لا يملكونه.
لا يمكن أن يمر أي قرار يؤدي الى رفع الأسعار، خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، من دون رفض واعتراضات وتوظيف سياسي. لكن هنالك الكثير من التفهم للحاجة لتنظيم دعم الأعلاف الذي يذهب جله لغير مستحقيه. فمن ناحية مالية، ارتفعت أسعار الأعلاف بنسب كبيرة ما جعل المحافظة على مستوى الدعم استحالة اقتصادية لأثرها غير المقبول على عجز الموازنة. ومن ناحية اقتصادية، فإن معظم الدعم يذهب الى من لا يستحقونه ولا يحقق أثراً مجتمعياً يبرر استمراره.
فأسعار اللحوم البلدية تصل الى حوالي ضعف أسعار اللحوم المستوردة. وتشكل اللحوم المستوردة ما نسبته 70% من استهلاك المواطنين من اللحوم. وهذا يعني أن معظم من يستهلك اللحوم البلدية من الفئات المقتدرة التي لا تحتاج الدعم. إضافة الى ذلك، ثمة مبالغة في أعداد الماشية. وهنالك تشوه في الآلية التي سمحت بأن يذهب الدعم لتجار يصدّرون مواشيهم إلى الخارج ويحققون أرباحاً على حساب الناس.
لا بد أن تستمر الحكومة بدعم صغار مربي الماشية الذين يستحقون الدعم. وهذا تحديداً ما ستفعله آليات توزيع الدعم الجديدة. سيحصل مستحقو الدعم على مساعدات مالية. ولن يحصل على هذه المساعدات من لا حق لهم بها. والمواطن هو المستفيد من ذلك لأن المال العام لن يذهب الى تمويل تجارة بعض مقتدر بل سيوظف حيث هنالك حاجة حقيقية له.
خطأ الحكومة كان في عدم الإعداد الجيد لقرار تخفيض دعم الأعلاف وعدم التأكد من أن هنالك فهما وتفهما لدواعيه ونتائجه. ومطلوب منها ان تستدرك ذلك من خلال تفعيل التواصل مع مربي المواشي الذين سيتلقون الدعم وشرح القرار لهم وتعديله إنْ ثبت أن هناك حاجة تبرر ذلك.
والمطلوب أيضا أن لا يكون هنالك تهاون في فرض سيادة القانون. حق التعبير حق دستوري مقدّس. ولا يجب أن يُمنع مواطن من التعبير عن رأيه أيا كان هذا الرأي طالما التزم القانون والوسائل السلمية. لكن التعبير عن الرأي خارج إطار القانون ومن خلال العنف ضرر بالمجتمع ومؤشر على عدم نضوج ديمقراطي.
نجحت الجهود التي بذلت أمس في احتواء الأحداث التي اشتملت اعتداءات على ممتلكات وعلى موظفين رسميين. وثمة حاجة لأن تطلق جهود أعمق وأشمل تستهدف نشر ثقافة احترام القانون والتعبير السلمي عن الرأي. ونجاح هذه يعتمد، أساسا، على إدراك الحكومة أهمية التواصل مع الناس واحترام عقولهم وشرح أسباب قراراتها ومبرراتها، مع التأكيد، بالطبع، على أن تقدم الحكومة الأنموذج الأول في احترام القانون والحفاظ على المال العام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد