اُستقبل قرار الحكومة عدم رفع أسعار المحروقات بارتياح شعبي واضح. وذلك أمر متوقع. لا أحد يريد أن ترتفع أسعار المحروقات وغيرها من السلع. فالأوضاع الاقتصادية صعبة. والقدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع تتآكل تحت ضغوطات التضخم وغلاء كلف المعيشة.
لكن ما يجب أن يكون واضحاً للناس أيضاً ان رفع الأسعار تأجل لأسباب اجتماعية سياسية إنسانية ولم يُلغَ. فلم يكن قرار تخفيض الدعم للمحروقات يوماً خياراً اتخذ طوعياً. ثمة ضغوطات اقتصادية أنتجت القرار سابقاً. وهذه الضغوطات ما تزال قائمة. وعاجلاً أم آجلاً ستضطر الحكومة لرفع أسعار المحروقات، خصوصاً إذا ظلت أسعار النفط ترتفع عالمياً.
بيد أن الحكومة كسبت وقتاً ثميناً يجب أن تستثمره في الإعداد لحتمية إلغاء الدعم للمحروقات. ثمة حاجة لإيجاد منهجية جديدة توجه الدعم الى مستحقيه.
ففي المملكة شرائح واسعة تحسب مداخيلها بالقرش. هذه الشرائح تستحق الدعم من الدولة ويجب ألا تترك لقوى السوق لتحرمها حقها في العيش الكريم. لكن هناك فئات لا تستحق الدعم وتحصل على الحصة الأكبر منه. فحسب دراسة لوزارة المالية لا تحصل الطبقة الفقيرة إلا على 8% من الدعم الحكومي للمحروقات، بينما تذهب النسبة المتبقية الى المقتدرين والأجانب.
هذا خلل يجب أن يُعالج حمايةً للطبقة الفقيرة في البلد. لا يجوز أن تحصل المصانع والفنادق وأصحاب الدخول المرتفعة على الدعم نفسه الذي تحصل عليه أسر بالكاد تملك قدرة شراء قوتها.
وبالنهاية فإن التشوه في الادارة المالية سيدفع ثمنه الفقراء قبل غيرهم. فلارتفاع العجز في الموازنة آثار سلبية على أداء الاقتصاد. والفقراء هم أول ضحايا أي تعثر اقتصادي. إذا تراجع الاستثمار عانى الفقراء وإذا ضعف الدينار تراجعت القدرة الشرائية للفقراء وإذا زاد الدين العام دفع الفقراء الثمن قبل غيرهم.
هذه الحقائق تجعل من البحث عن آلية منصفة وعملانية لتخفيف تبعات قرار رفع اسعار المحروقات القادم لا محالة بعد ستة أشهر أو أكثر مسؤولية تدين بها الحكومة لذوي الدخل المحدود من الأردنيين. ولا تملك الحكومة وقتاً طويلاً لإنجاز هذه الآلية والتحضير لها وضمان انسجامها مع الهدف الأساسي في تحقيق حياة كريمة للمواطنين ومساعدتهم على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
وبات حتماً على الحكومة الآن أن تتخذ قرارات تساعد على تخفيض كلفة فاتورة الطاقة. الطاقة الشمسية مصدر مهمل صار ضرورياً استثمارُه وتشجيع الاعتماد عليه. وبناء شبكة نقل عامة فاعلة تسهم في تخفيف اعتماد الناس على وسائل النقل الشخصية صار ضرورة. ومواجهة الإسراف في استعمال مصادر الطاقة أصبحت أيضاً ضرورة يجب أن يُبذل جهد توعوي حقيقي لتحقيقها. وثمة خطوات أخرى كثيرة يمكن أن تتخذ لإيجاد أنماط استهلاكية تنسجم مع محدودية القدرات المالية للناس والبلد.
قرار الحكومة عدم رفع أسعار المحروقات كان خياراً صعباً رأت الحكومة أنه يشكل الخطوة الصحيحة في الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية. ولعل في ظروف اتخاذ القرار مؤشراً لافتاً على صعوبته. وزير المالية زياد فريز استقال انطلاقاً من اقتناعه بأن عدم تخفيض دعم المحروقات ضرر بالبلد. وتصرف كما يجب لوزير مالية أن يتصرف. ورئيس الوزراء تعامل مع الموضوع ضمن رؤية سياسية أوسع فاتخذ القرار الذي اعتقد أن الضرورة السياسية تستوجبه.
لكن لتحقيق استدامة الآثار الإيجابية للقرار، يجب أن تتبعه إجراءات تحضر بشكل جيد للوقت الذي ستضطر فيه الحكومة الى إلغاء الدعم تمهيداً لتحرير أسعار المحروقات. وهذا يكون بتجهيز البدائل والخروج بآلية تنحاز للفقراء ليس فقط من خلال حمايتهم من ارتفاع الأسعار بل أيضاً عبر ادارة اقتصادية ناجعة تضمن إنفاق المال العام على من يستحقه. فكل قرش توفره الحكومة من الدعم الذي يذهب حيثما لا حاجة له يفترض أن يُصرف على مشاريع وخدمات يستفيد منها ذوو الدخل المحدود.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد