أشهر قليلة وستضطر الحكومة إلى تفعيل قرارها السابق رفع الدعم عن المحروقات وتحرير سوق المشتقات النفطية. إذا كانت الحكومة محظوظة، ستملك ترف تأخير القرار إلى ما بعد موسم الشتاء. لكن إذا ظلت أسعار النفط العالمية تتصاعد ووصل عجز الموازنة إلى نسب تهدد الاستقرار المالي، قد لا تجد الحكومة مفراً من إنهاء الدعم.
وهنا تكمن مشكلة كبيرة ليس واضحاً إذا كانت الحكومة تستعد لمواجهتها. فبدهي أن بدء العمل، منذ الآن، على خطة لتخفيف أعباء القرار المحتوم على المواطنين سيجنب البلد الدخول في متاهات إجراءات مسلوقة تفرضها ردود الفعل على ارتفاع أسعار المحروقات.
فالتشوهات الجذرية في النظام الاقتصادي تجعل من منطق الاحتكام لقواعد السوق لتنظيم أسعار سلع بأهمية المحروقات طرحاً ضعيفاً. ولا بد من أن يبقى ليد الحكومة دورٌ في التخفيف من الآثار السلبية لهذه التشوهات على الشرائح الفقيرة ويجب أن يرتبط تراجع هذا الدور بالتقدم في معالجة هذه التشوهات.
البداية يجب أن تكون بالبحث عن آلية فاعلة تضمن مساعدة الفئات التي تستحق الدعم. الآليات التي اتبعت سابقاً في حالات مشابهة أثبتت فشلها. لكن هذا لا يعني استحالة الوصول إلى إجراءات مناسبة. الكوبونات خيار يستحق الدراسة. وكذلك عملية إضافة الدعم إلى رواتب الموظفين.
وثمة حاجة أيضاً لقرارات تنهي احتكار شركة مصفاة البترول لسوق المشتقات النفطية. العقد الاحتكاري للشركة ينتهي العام القادم. لكن لا يجوز الانتظار إلى حين انتهاء العقد لبدء إجراءات استقطاب شركات أخرى للسوق.
العمل يجب أن يبدأ الآن، بل كان يجب أن يبدأ منذ زمن، لأن دخول شركات جديدة إلى سوق المحروقات يتطلب زمناً ليس قصيراً. وإذا أخرت الحكومة إجراءات فتح السوق إلى العام القادم، لن تبدأ هذه الشركات العمل فعلياً قبل عام على الأقل. وهذا يعني أن شركة واحدة ستحتكر سوق المحروقات، ما سيؤدي إلى غياب التنافسية التي تحول دون التحكم الانفرادي بالأسعار. والفارق الوحيد سيكون نقل سلطة تحديد الأسعار من الحكومة إلى شركة مصفاة البترول.
حققت الحكومة مكتسبات سياسية حين أجلت تخفيض دعم المحروقات. وخسرت مقابل الشعبية التي حصدتها وزير ماليتها وإمكانية محاصرة العجز المتنامي في الموازنة. وشملت الخسارة أيضاً تراجع قوة منطق الأرقام الذي كان أسهم في تقبل الناس لقرار الرفع أساساً. وستكون خسارة الحكومة، والبلد، أكبر بكثير من المكتسبات التي تحققت حين تدنو لحظة الحقيقة إذا لم تكن الحكومة أعدت العدة لها.
وأول شروط هذه العدة هو الاستمرار في مساعدة الشرائح التي تستحق الدعم. فالمشكلة في آليات الدعم الحالية هي أن مستحقي الدعم هم أقل المستفيدين منه. جل الدعم يذهب إلى المقتدرين والشركات والمصانع. إيقاف الدعم عمن لا يحتاجونه وإيجاد سبل فاعلة لمساعدة من يستحقونه متطلب يجب أن تنجزه الحكومة قبل تطليق سياسة الدعم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد