يتعامل الأردن بحذر مع مؤتمر السلام المتوقع عقده في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم لإعادة إطلاق العملية السلمية. فالمملكة حريصة على دعم الجهود المبذولة للإعداد للمؤتمر. لكنها تمتنع عن اتخاذ أي موقف يسهم في رفع سقف التوقعات من اللقاء، الذي تريده الإدارة الأميركية محاولة لتسجيل نجاح في سجل سياسة خارجية مليء بالفشل.
ورغم الجهود المكثفة التي تبذلها المملكة لضمان تمخض المؤتمر عن قرارات تحقق تقدما ملموسا في جهود السلام، لم يحسم مسؤولون مستوى مشاركة الأردن في اللقاء، مؤكدين أن ذلك مرتبط بمدى اقتناع المملكة بجدوى اللقاء.
ويوضح مسؤولون أن المملكة ليست معنية بالمؤتمر إذا انتهى إلى مناسبة بروتوكولية لالتقاط صور تعطي انطباعات زائفة بإحراز تقدم في العملية السلمية التي قال جلالة الملك إن تقدمها يعتمد على وجود إرادة اسرائيلية بحل الصراع وفق الأسس التي أجمع عليها المجتمع الدولي.
الواضح أن المملكة لا تعتقد أن إسرائيل مستعدة لاتخاذ الخطوات الكفيلة بإنجاح مؤتمر السلام الذي تضع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس ثقلها بقوة وراءه. لكنها، رغم ذلك، تفعل كل ما تستطيع لإنجاحه لأنها ترى فيه فرصة ستنجح، إن استغلت، في إزالة التوتر المتصاعد في المنطقة. حجم الخطر الكامن في الوضع القائم يبرر كل محاولة لتغييره مهما كانت فرص نجاحها ضئيلة.
وهذه سياسة ناجعة. فإفشال المؤتمر قبل انعقاده هدف لإسرائيل التي دأبت، تاريخياً، على مقاومة أي جهد سياسي لحل الصراع. فإسرائيل لا تملك حجة سياسية لإدامة احتلال يجمع العالم على عدم مشروعيته. ادعاءاتها لا تصمد أمام الحقائق. هي ضعيفة في الاشتباك السياسي. لكنها تملك اليد العليا حين تغيب الآفاق السياسية إذ تطلق آلتها العسكرية التي تبطش من دون رادع وتعمل بلا هوادة للاستيلاء على الأرض وبناء المستوطنات وتغيير معالم الأراضي المحتلة.
إسرائيل لا تريد المؤتمر بيد أنها لا تريد أن تحمل لوم عدم انعقاده. من هنا تأتي الإيحاءات الإسرائيلية المضللة والمستهدفة بث التفاؤل بالمؤتمر. ذاك أن رفضها التفاعل إيجاباً مع مشروع حليفها الأميركي سيجلب عليها ضغوطاً دولية. فتهرب من تلك الضغوط عبر مناورات سياسية تطلق جعجعة ولا تنتج طحيناً.
والحقيقة أن جميع الأطراف المعنية بالمؤتمر تدرك ضعف احتمالات تثمير المؤتمر الفعل اللازم لإنقاذ العملية السلمية. لكن لأن أحداً لا يريد تحمل مسؤولية إجهاضه، تتدفق التصريحات المتفائلة من جميع أطراف الصراع.
الإدارة الأميركية تحتاج المؤتمر لتواجه اتهامات الديمقراطيين، المتحفزين لانتزاع الرئاسة الأميركية في انتخابات العام القادم، أن سياسة بوش الخارجية لم تكن إلا فشلاً يتراكم. الإسرائيليون لا يريدون تحمل وزر تفشيل الجهد الأميركي. والعرب لا يريدون تزويد الماكينة الإعلامية الإسرائيلية ذخيرة جديدة في حملاتها المتواصلة لتحميلهم مسؤولية استمرار الصراع في المنطقة. فهم يدركون أن جر إسرائيل إلى اشتباكات سياسية يعزز الدعم الدولي لقضيتهم ويحول دون منح إسرائيل الفراغ الذي تنشده لمواصلة تغيير الحقائق على الأرض وتدمير مقومات قيام الدولة الفلسطينية الجغرافية والاقتصادية والديمغرافية.
ينعقد المؤتمر في ظروف غير مواتية. الإدارة الأميركية أوشكت أن تصير بطة عرجاء تقترب من السقوط. رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت أضعف من أن يتخذ القرارات المطلوبة لتحقيق السلام ويتراجع أمام معارضة وزيري خارجيته ودفاعه تسيبي ليفني وايهود باراك.
أما الفلسطينيون فيعيشون انقساماً لن تتوانى إسرائيل عن استخدامه ذريعة لتتنصل من التقدم نحو السلام. إصرار اولمرت على أن تلتزم السلطة الفلسطينية بند خريطة الطريق الذي ينص على نزع أسلحة "الميليشيات" تمهيد لرفض الانخراط في مفاوضات جادة لأنه يعلم أن السلطة عاجزة عن نزع سلاح حماس التي يعتبرها ميليشيا.
رغم كل ذلك لا يملك العرب إلا أن يذهبوا إلى نهاية الطريق نحو المؤتمر. هم الخاسر الأكبر إن أجهض. فالصراع مع إسرائيل، في جوانب عدة منه، سياسي. تعرية إسرائيل في المؤتمر مكسب للعرب، أو، على الأقل، حرمان لها من مكسب جديد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد