هو العيد. لحظة فرح إجبارية ليس فيها من البهجة الا تقليديتها. اليوم عيد. الفرح، إذن، مفروض.
لكنه يرفض أن يفرح. الحزن إجباري. اليأس نتيجة حتمية للراهن وظروفه. لكن الفرح شعور يجب أن يكون اختيارياً. لا يملك اختيار لحظات غضبه وإحباطه. فتلك أسبابها خارج قدرته على التأثير. لكن الفرح أمر مختلف. مضطر أن يحتفل تحت سطوة التقليد. لكنّ شيئاً لن يجبره على الفرح. مشاعر الفرح يجب أن تفيض ينابيعها عفوية. وهي جافة. جافة جداً.
يحتفل من دون أن يفرح، إذن.
سيجامل. سيلقي تحية العيد التقليدية. كل عام وانتم بخير. عن أي شيء يتحدث؟ لا يعلم. لكن عدم إلقاء هذه التحية فظاظة لا تُستساغ. وثمة ما يكفي من الفظاظة.
وماذا وإن ألقى تحية العيد؟ فالزيف سمة العصر. لغته. كم من الأشياء التي يقولها أو يسمعها نقية من الزيف؟
السياسيون يتحدثون عن انجازات ودمقرطة وانفتاح. يكذبون. هم يعرفون ذلك. والناس يعرفون ذلك. لكن بيان الكذب لا يحول دون ترديده. الزيف رفيق السياسة. كان منذ كانت. وسيظل ما ظلت.
والاقتصاديون لا يرتدعون عن قول الزيف أيضاً. أرقامهم لا تمت لراهن مئات الألوف بصِلة. لكنهم لا يتوقفون يرددونها ويقدمونها إنجازاً ورخاءً. هم يكذبون أيضاً. لا شيء يكبح تمدد الزيف.
ويعيش بعض من يتربع احتلالا على عروش الفكر والثقافة الزيفَ ويروجونه أيضاً؟ يتغنون بثقافة جمعية يعتقدونها سامية تتفوق على غيرها انسانيةً وقيماً ونقاءً. اين السمو واين النقاء والقتل صار فضيلةً والرفض منهجاً والمقدسات صكوكاً يمنحها أنّى شاء لنفسه ولغيره؟
ثقافة جديدة ترفض كل غيرها. تحقر العقل. تتحدى منتجه. وتهتدي باللامنطق على دروب العتمة التي تحاول حشر الناس فيها؟ وتدعي، رغم كل ذاك، انسانيةً تنكرها على غيرها.
كذب في السياسة والاقتصاد والثقافة. زيف يغلف كل شيء. يقدس التخلف أصالةً ويرفض الحداثة كفراً ويسلب الملايين حقهم في الاستنارة بالعقل في خياراتهم. التزمْ دروب الضيق التي صارتها الأصالة أو اذهبْ فأنت ملعون.
ادّعِ الفرح إذن. بعض مجاملةٍ لن يغير المشهد. لا. ليظل للفرح، على الأقل، نقاؤه. ليبقَ على صدقه. وليغبْ مهما لزم ان لم يكن عفوياً تدفقُه. وليكتفِ بالاحتفال المفرغ من الفرح.
فليحتفلْ طالما صار الاحتفال، كمثل أشياء كثيرة، تقليداً لا يحمل الا عبء التفوه ببضع كلمات لن تضيف الى بحر الزيف قطرة. كل عام وأنتم بخير. أمنية؟ لا شيء يمنع التمني. فهو حلم، لم يتحقق، وقد يتحقق، أو لا يتحقق.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد