يبالغ من يصف الانتخابات النيابية التي تجرى اليوم بالعرس الوطني الذي يستدعي احتفائيات تمتد على مساحة الوطن. وينتقص البلد حقه من يُسَفِّه الحدث انطلاقاً من عقائدية رفضوية لا تتحدث إلا بسيئ ولا ترى في الأردن جميلاً.
فالانتخابات ليست نقطة التحول اللافتة التي ضاعت فرصة أن تكونها لأنها لا تقدم جديداً في منهجيتها أو في طبيعة القوى التي تتنافس على مقاعد البرلمان. وفي أحسن الأحوال ستكون الانتخابات استمراراً لمسيرة ظلت على طريقها رغم العثرات التي لم تستطع تجاوزها والتشوهات التي عجزت عن إزالتها.
العمل السياسي المنظم غائب عن الانتخابات وسيكون غائباً عن المجلس الذي ستنتجه. وذلك علة اضعفت المجالس السابقة وستُضعف المجلس اللاحق. لا مكان، اذن، للاستغراب من هذه الحال. فالمجتمع، حكومة وشعباً، يحصد ما زرع. والقطاف لن يشبع حاجة البلد إلى مجلس نيابي قادر يسهم برامجياً في تنميته ويقدم للمواطن سياسات وخطط عمل تُحسِّن حاله وتزيد من تحصينه ووطنه.
لكن في الجانب الملآن من الكوب مؤشرات على أن مسيرة الدمقرطة، وإن تعثرت وتراجعت، ما تزال تملك نفساً يمكن أن يبث فيها حياة جديدة.
فالانتخابات تعقد رغم ظروف محلية وإقليمية ودولية جعلت، ذات لحظة، من إلغائها احتمالاً قائماً. والتنافس على عضوية مجلس النواب يجري في أجواء سلمية تستوعب الخلافات والاختلافات وتطمئن الموالي والمعارض إلى أن الأردن وطناً آمناً مستقراً لا يضيق على رأي وفيه من مساحة الحرية ما يسمح بتصارع الآراء والأفكار.
ضحالة البيئة السياسية جعلت العمل العام مطمحاً لأفراد وحكراً على حزب واحد. وتلك حال تتحمل الحكومة، قبل غيرها، مسؤوليتها. لكن إرث الانفتاح، الذي لم يصل بالأردن إلى صف الدول الديمقراطية رغم أنه ميزه بوضوح عن جواره، هيأ لإطلاق حوارات حول عديد القضايا التي تشغل الناس. ورغم أن هذه الحوارات ظلت نخبوية في امكنتها وأطرافها، فإنها انعكاس لرحابة شروط توسيعها متاحة.
فليس كل ما في الأردن سيئ كما يحاول بعضٌ لا يعرف إلا الرفض والاتهام والالغاء تصويره. وليس كل ما فيه جميل كما يدعي من يفهم الوطنية تصفيقا وشعارات فارغة وأهازيج.
ثمة سلبيات يجب أن تعالج. وهنالك خطايا تُلحق اضراراً مجانية بالبلد وسمعته وبحق المواطن في مسيرة اصلاح تُكرِّس العدالة والمساواة. تلك سلبيات تتلاشى حين يصير الولاء والانتماء عملاً نافعاً ينتقد حيث يجب النقد ويرفض حين يفترض ذلك لكنه ينطلق في كل فعله من إيمان بضرورة المشاركة الايجابية في حماية البلد وخدمة مصالحه التي تستوجب تكريس الديمقراطية حكماً وثقافة وممارسة.
وثمة أيضاً ايجابيات كثيرة لا ينكرها إلا من يرفع الاصلاح شعاراً لتغطية اجندات رفضوية تلغي الآخر وترى إلى كل من لا ينصهر في بوتقتها ضداً يجب تحطيمه. اصحاب هذه الأجندات خطر على البلد ومسيرة اصلاحه ودمقرطته. والسبيل الأنجع لكسر العتمة التي يعممها الرفضويون هو تحصين الوعي الشعبي ضدهم عبر المزيد من الانفتاح والاصلاح والمشاركة. فالمعارضة شرط للتقدم وركيزة من ركائز الحكم الرشيد. أما الرفضوية فهي داء يحمل الدمار إلى كل شيء يطاله.
واليوم فرصة للمشاركة في تقليل الضرر، إن لم نقل تعظيم النفع العام. من يشارك في الانتخابات يتحمل مسؤوليته تجاه نفسه وحقه في وطن يدار بشكل أفضل. ومن يتقاعس يتخلى عن مسؤوليته هذه ولن ينجو من آثار انتخاب سلطة تشريعية ضعيفة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد