لن يمر وقت طويل قبل أن تتخذ الحكومة قرار رفع الدعم عن أسعار المحروقات. وهذا قرار ستتخذه مجبرة. فاستمرار الدعم سيفاقم عجز الموازنة. وآثار ذلك على أداء الاقتصاد ستكون دمارية.
مسؤولية الحكومة تفترض رفع الدعم عن أسعار النفط رغم ما سيجلبه ذلك عليها من نقد وغضب. وتستطيع الحكومة أن تجعل الناس يتقبلون القرار إن هي أقنعتهم باستحالة تجنبه وبأنها تفعل كل ما في وسعها لتخفيف وطأته عليهم.
تحتاج الحكومة أن تصارح الناس بما تستطيع أن تفعل وبما تعجز عن القيام به. وهذا يتطلب تواصلاً مبنياً على المعلومة ومخاطبة العقل لا على العواطف والشعارات التي فقدت كل قيمة لها.
وقبل ذلك على الحكومة أن تقدم أنموذجاً في تحمل المسؤولية. مشكلة الناس مع مؤسسة الحكومة تكمن في فقدانهم الثقة بها. استعادة هذه الثقة شرط لتقبل الناس قراراتها. تحقيق ذلك لا يحتاج الى معجزة. فإطلاق مسيرة حقيقية لتجذير الثقة بين المواطن والحكومة لا يستدعي إلا اعتماد آلية عمل واضحة شفافة تحترم القانون وتقنع الناس بأنها تستهدف العدالة.
فالناس يعرفون أن البطالة لا تنتهي بقرار وأنّ الفقر لن يختفي بين ليلة وضحاها. ويعي الناس أيضا أن وصول أسعار النفط عالمياً مستويات غير مسبوقة سينعكس ارتفاعاً للأسعار في المملكة. لكنهم يعتقدون أن الحكومة لا تفعل ما عليها لمساعدتهم على تحمل الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن غلاء الأسعار. والمأخذ الرئيسي على الحكومة في اقتناعات الناس هو غياب العدالة في توزيع الثروة الوطنية وافتقار آليات اتخاذ القرار الى معايير العدالة.
من يملك "الواسطة" يتوظف ويُعالَج ويتعلم. ومن لا يملكها يظل على عذابه ضحية لظروف تزداد صعوبة كل يوم. أي خطوات إيجابية من قبل الحكومة لوضع معايير واضحة للتوظيف والتعليم والمعالجة وغيرها ستجعل الناس يتقبلون قرارات الحكومة الصعبة وستجعلهم يصبرون على ضنك العيش. مشكلة الناس مع الحكومة هي أساساً في منهجية العمل ومدى التزامها العدالة وتحقيقها المساواة. وحل المشكلة سيتأتى من إصلاح هذه المنهجية.
لذلك يجب أن تستبق الحكومة قرار رفع المحروقات بقرارات حاسمة تُقنع المواطنين أنّ ثمة تغييراً في إدارة الشأن العام يجعل من كل الناس سواسية أمام القانون ومتساوين في الإفادة من مكتسبات التنمية وتحمل أعباء اقتصادية لا يملك الأردن صدّها.
وهذا يوجب، شرطاً، اقتراباً من الناس لا فوقية في التعامل معهم وافتراض وصاية على عقولهم. الناس يحتاجون إلى من يخاطبهم بلغتهم ويفهم معاناتهم. لذلك يجب أن يُصاغ القول السياسي للحكومة من قبل من يفهمون المجتمع ويعون أوجاعه ويتكلمون لغته.
هذا في العام. أمّا فيما يتعلق بأسعار النفط تحديداً، فإنّ الطبقتين الفقيرة والوسطى ستكونان أكثر المتضررين منه. وهنالك تشويه جذري، اعترفت به الحكومة نفسها، في آلية دعم المحروقات الحالية.
فالحكومة الآن تدعم الأغنياء والمصانع والشركات أكثر مما تدعم أبناء الطبقتين الفقيرة والوسطى. لذلك يجب أن يسبق قرار رفع الدعم إنجاز لمنظومة أمان اجتماعي تضمن أن مستحقي الدعم سيحصلون عليه.
ولا يريد الناس كلاماً ووعوداً. يريدون فعلاً. ويجب ألا تعجز الحكومة عن الوصول إلى آلية توجه الدعم نحو من يستحقه، فترفع الدعم وتُنقذ الاقتصاد وتحمي المواطنين في آن.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد