يبدي رئيس الوزراء نادر الذهبي اهتماما واضحا بقطاع التعليم. وذاك مؤشر على فهم مطمئن لأولويات البلد. فالحكومة إن نجحت في إطلاق مسيرة إنقاذ للعملية التعليمية من التدهور الذي أنهكها وأضعف مخرجاتها تُنقذ البلد من كارثةٍ ستنخر تداعياتها المنجز الوطني في كل القطاعات الأخرى.
بيد أنّ شرط نجاح العملية الإنقاذية هذه هو انطلاقها من تقويم موضوعي يحدد التشوهات الجذرية في منهجية الإصلاح التربوي التي اعتُمدت سابقا، تمهيداً لوضع خطة عمل توجه الجهود والموارد نحو مقومات العملية التعليمية الحقيقية وهي المعلم والمنهاج والبيئة المدرسية.
ذاك أن أولويات الإصلاح المنتهج سابقاً أغفلت هذه الركائز فتراجع أداء المدارس والجامعات وتدهور مستوى مخرجات التعليم. ورغم اللوحات الإنشائية التي ادّعت وجود استراتيجيات لتحسين ظروف المعلمين ومؤهلاتهم وتطوير المناهج والبنى التحتية، ظلت المدارس الأماكن البائسة التي صارتها نتيجةً حتميةً لإهمال المدرسين وتحاشي إدخال الإصلاحات الحقيقية على المناهج وهدر الموارد المالية على مشاريع استهدفت تغليف المشهد المدرسي بحداثةٍ لا أساس حقيقيا لها.
فالمعلمون ما يزالون يعيشون تحت خط الفقر. لا اعتبار لظروف معيشتهم حين يعيّنون في مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم. ولا جهد حقيقيا لتأهيلهم لمهنة التدريس. معظم الخريجين الذين يعيّنون في وزارة التربية والتعليم ينتقلون من الغرف الصفية في الجامعات طلبة إلى الغرف الصفية في المدارس معلمين. وكأنّ التدريس ليس مهنة لا يقدر على الإيفاء بمتطلباتها إلا من أُعِدّ لها تدريباً وتأهيلاً.
وكانت النتيجة أن أُحبِط المعلمون وتراجعت مؤهلات الكثيرين منهم. وانعكس هذا على العملية التعليمية. فالمعلم المحبط المسكون بهاجس العوز لا يستطيع أن يسهم في تطوير قدرات طلبته المعرفية.
والحال ليست أحسن في ما يتعلق بالبيئة المدرسية. معظم المدارس بيئات طاردة. آلاف الطلبة يؤمّون مدارس مكتظةً خاليةً من مرافق وخدمات أساسية. يعاني الطلبة في مدارسهم البرد في الشتاء ولا يجدون مرفقا صحيا نظيفا. وأفشل التخبط وغياب التخطيط المكتمل الفكرة الرائدة في إدخال الحواسيب إلى المدارس. فهذه، في مدارس كثيرة، كُدِّست في غرفٍ مغلقةٍ لغياب المدرسين القادرين على الإفادة منها أو لعدم توفر الإمكانات الفنية لتشغيلها. وفي إحدى الغرف الصفية في مدارس الجنوب النائية، مثلاً، استعمل الطلبة أجهزة الحاسوب مقاعد يجلسون عليها لعدم توفر المقاعد!
أما المناهج المدرسية ومنهجية التعليم فبوتيرة متنامية إلى وراء. الضعف الواضح في مستويات الخريجين دليل ذلك. ودق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جرس الإنذار عاليا حين خلص إلى أنّ المدارس تعلم الإذعان والخضوع لا الإبداع وآليات التفكير النقدي. ففي عصر ما بعد الحداثة والانفتاح غير المسبوق يُربّى جيل على قبول ما يؤمر لا على التفكر بما يدور حوله! فعن أي إصلاحٍ ما انفكوا يتحدثون؟!
العملية التعليمية في أزمة تبدأ في المدارس ولا تنتهي في الجامعات التي باتت امتداداً لفشل التعليم المدرسي. فداخل أسوار الجامعات يُحاصر الفكر ويُقزَّمُ التعليم العالي إلى تحفيظٍ لنصوصٍ جافةٍ يجترُّها الطلبة عند كل امتحان على طريق التخرج الموصلة، في أغلب الأحيان، حتماً إلى شهادة.
ضروري أن تعتبر الحكومة التعليم أولوية. وذاك يعني اعتماد خطة عمل مكتملة تعي الخطر الكامن في تراجع العملية التعليمية. فضعف مخرجات التعليم خطرٌ على المجتمع. وثمة خطر أيضا في السماح لثقافة الرفض والتيئيس، التي ينشرها في عديد مدارس مدرسون محبطون غاضبون، بصياغة قيم جيلٍ جديد. درء هذه الأخطار يتطلب بدء إنقاذ المعلمين من الراهن الذي أنهكهم وأنهك المدارس التي يقودون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد