الخطبة الأولى:
إن الحمد لله الذي أحسن خلق كل شيء ( وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاَ ما تشكرون). أحمده حمد الشاكرين، وأشكره شكر العارفين، لا أحصي ثناء عليه، ولا أعدد نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، ناصر المظلومين، وولي المستضعفين، وقاصم المتجبرين.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، وحجة على الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته واتباع أمره والوقوف عند حدوده والبعد عن محارمه والتمسك بسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102).
وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: 1).
وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: 18).
معشر الأخوة الأفاضل: إن الله - سبحانه وتعالى - يبتلي عباده بصنوف من البلاء وأنواع من المحن ومن ضمن ما يبتلي الله - عز وجل - به عباده خسارة التجارة ونقص الأموال كما قال - سبحانه وتعالى -: (ولنبلونكم بِشَيءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (سورة البقرة: 157).
فبينما ترى الإنسان في تجارة عريضة وفي ملك كبير وجاه واسع وسلطان عظيم يأتيه أمر الله ليلاً أو نهاراً فتخسر تجارته وتتشتت ثرواته وتتبدد أمواله ويصبح لا يملك إلا البيت الذي يسكن فيه أو الثوب الذي يرتديه. ولقد كثر هذا النوع من الابتلاء ومن الحوادث وخصوصاً بعد انقشاع ما يسميه الناس بعهد الطفرة الذي هو أشبه ما يكون بسحابة صيف مرت وتركت الناس بين إنسان في السحاب وبين آخر في التراب وإنسان في الثريا وآخر في الثرى، انقشع هذا العهد وهذه الفترة وتركت أقواما كانوا في تجارة واسعة وفي ملك كبير فتبددت أموالهم وخسروا في تجارتهم وجرت عليهم مقادير الله فأصبحوا قابعين في سجونهم يتكففون الناس ويسألونهم من نوالهم فسبحان الذي لا نفاد لملكه ولا زوال لعزه (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران(26).
والحياة دول كما يقال، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
لكل شيء إذا ما تم نقصان
- فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول - من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد- ولا يدوم على حال لها شأن
أيها الأخوة: وكما ذكرت لكم فإن أمثال هؤلاء الخاسرين المفلسين المعسرين كثير وكثير في زماننا ولقد وجه الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم إلى معاملة هؤلاء المنكوبين المبتلين بما يليق بحالهم وعوزهم وفقرهم.
والناس في هذا الزمان الذي انقطعت فيه أواصر الإحسان والمعروف وعم الجشع وساد الطمع وفسدت النوايا وساءت الطوايا وأصبحت العلاقات مبنية على المصالح الدنيوية وانقطعت الروابط الأخوية الإسلامية وأصبحوا يعاملون بعضهم معاملة مادية ويعامل القوي الضعيف ويعامل الدائن مدينه معاملة يترفع عنها مع معاملة الكافر وربما لا تليق بالحيوان، فتجده يسلك مسالك شتى فيظلمه ظلما صارخا ويعتدي عليه ويستغل فقره وحاجته، وأنا قبل أن أذكر الأمر الذي يجب أن يعامل به المدين والمفلس، أذكر المعاملات التي يعامل الناس اليوم هؤلاء المفلسين والمعسرين بها، والتي نتج عنها ظلم صارخ، وخلفت مصائب كثيرة ورزايا عديدة
لقد أصبح الدائنون اليوم يعاملون المعسرين المدينين بأساليب شتى من الظلم البشع وأشهرها طريقان اثنان، أما الطريق الأول الذي يعامل به الدائن مدينه خصوصاً المعسر ما يفعله أهل الجاهلية الأولى مما يسمى بقلب الدين على المعسر.
ذلك أنه في عهد الجاهلية الأولى قبل مبعث رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - كان الرجل إذا تحملت ذمته الدين لأي سبب سواء كان هذا الدين ثمن مبيع أو عوض متلف أو قيمة تالف أم كان سببه قرضا أو سلفاً أو غير ذلك، كان إذا حان الأجل ولم يؤد ما عليه قال له: يا هذا إما أن تقضي وإما أن تربي، أي: إما أن تقضيني ديني أو أقلب الدين عليك أضعافاً مضاعفة، وأحتسب عليك نسبة من الربا فلا يزال يقلب الدين عليه شهوراً أو أعواماً عديدة حتى يضاعف عليه الدين أضعافا مضاعفة وحتى يصبح الربا متراكماً بحيث يصبح المدين عاجزاً عن السداد ولو باع نفسه وأهله وأولاده وجميع ما يملك، وهذا الربا من الظلم الصارخ الذي ندد الله –عز وجل- به وذم المتعاملين به وتوعدهم نارا حامية ولعنة وخزيا في الدنيا والآخرة.
قال - سبحانه وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).
وقال –عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّه وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة: 278).
وقال - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ284 آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (سورة البقرة: 286)
انظر كيف سمى الله - عز وجل - هذا النوع من المعاملة ظلماً صارخاً، وللأسف الشديد فإنه بلغنا أن كثيرا من الناس المسلمين يتعاملون بهذا النوع من المعاملة فلقد أعادوا ربا الجاهلية الذي مقته النبي - صلى الله عليه وسلم - ولعنه ووضعه تحت أقدامه فقال: ((ألا إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس بن عبد المطلب)).
دعك من المصارف والبنوك فأمرها بين ولكني أعني الناس المسلمين المصلين الحاجين المعتمرين بلغنا أن كثيرا منهم وقع في هذا النوع من الربا والعياذ بالله يستغل ضعف المحتاج فيقرضه ثم يثقل كاهله ويثقل عليه بقلب الدين عليه واستغلاله بوضع الفوائد الربوية عليه والعياذ بالله وسمعنا عن أشخاص كبروا ولم يستطيعوا القيام على تجارتهم وخشية أن تتجمد تجارتهم حركوها بمثل هذه الوسائل المحرمة والعياذ بالله مستغلين ضعف إخوانهم المسلمين معرضين أنفسهم للعنة الجبار - سبحانه وتعالى - ولعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي لا ترد فنسأل الله العافية والسلامة واللطف والمعافاة
وهذا هو الطريق الأول الذي يسلكه بعض الدائنين من معاملة المعسرين المحتاجين.
أما المسلك الثاني والنمط الآخر فهو الغالب والشائع في زماننا وقد كثر وترتبت عليه مفاسد لا يعلمها إلا الله - سبحانه وتعالى -، ألا وهو أن كثيراً من الأغنياء والدائنين يضيقون على هؤلاء المفلسين المحتاجين، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون السداد، ومتيقنون تمام اليقين أنهم لا يملكون إلا ثيابهم التي على أجسامهم وبيوتهم التي يسكنونها إن لم تكن بالإيجار، ومع ذلك فهم يضيقون عليهم ويستعدون عليهم السلطة ويدعون إلى سجنهم والتضييق عليهم ويعاملونهم معاملة بشعة، هذا وهم يعلمون أنهم في وضع لا يحسدون عليه، يعلمون تمام العلم أن المصائب قد ترادفت عليهم بأعجازها وناءت عليهم بأثقالها، ففي الوقت الذي يكون هذا المسكين قد خسرت تجارته وتشتت أمواله وتراكمت ديونه وعجز عن سدادها وكثر غرماؤه وقل رحماؤه وصار إلى حالة من المأساة لا يعلمها إلا الله.
وصار يصدق عليه قول الشاعر:
صبت عليّ مصائب لو أنها - صبت على الأيام عدنا لياليا
فتجده في الليل وتجده في النهار يسير مستخفياً متوارياً خجلاً من الناس وفي الليل إذا ما جن الليل ونام النائمون وهجع الهاجعون وأسدل الليل عليهم لحاف الراحة والهناء حضرت على باله همومه ونزلت بداره غمومه وامتطى متن أحزانه وركب بحر ألآمه اللاتي لا ساحل لها تتقاذفه أمواج البلاء وتتجاذبه أتون الشقاء فهو يساهر الليل والنجم وقد نزلت في باله المصائب كلها وتكالبت عليه من كل فج وأصبح لا يهنأ في نومه وراحته ولا في أكله وشرابه وصدق عليه قول الشاعر:
وليل كموج البحر أرخى سدوله - عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه - وأردف أعجازا وناءى بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي - بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وصدق عليه قول الأخر:
مالي وللنجـم يرعاني وأرعاه - أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه
لي فيك يا ليل آهات أرددها - أواه لو ينفع المحزون أواه
فإذا استيقظ استيقظت همومه معه وإذا نام نامت معه، فهو سجين في سجن الحياة المتنقل، كما يقال في زنزانة متنقلة، مع أنه يعيش مع الأحرار وهو ميت في ثياب الأحياء.
ليس من مات فاستراح بميت - إنما الميت ميت الأحياء
وهو يعلم هذا من حاله فتجد غريمه يزيد طينته بلة ومرضه علة وحماه ملة، في السجن قابعا فيزيد عليه أحزانه والآمه ويشتت أسرته ويضيع أولاده ويسد عليه منافذ الرزق وهو يعلم هذا من شدة حاله وفقره وعوزه، يتسبب في سجنه ليترك أما فانية أو شيخاً كبيراً يدعون عليه في أسحارهم وصلواتهم أو يترك زوجة مسكينة لا تدري هل تلتفت إلا نفسها وشأنها أو تلتفت إلى أولادها الذين أسهرهم الجوع وأجزعهم الفقر أو تلتفت لأحزان زوجها الذي غُيب عنها في غياهب السجون لا تدري ماذا يفعل الله به؟
أيها الأخوة: لقد سمعنا عن مصائب كثيرة، كم من أسرة تشتت بسبب ظلم الدائن لمدينه؟
وكم من زوجة طلبت الطلاق من زوجها لأنها لا تشاهده إلا ساعة من الأسبوع أو ساعة من الشهر في سجنه؟
بل كم من امرأة شريفة ما اعتادت السؤال يوماً من الدهر وقفت تطرق أبواب المحسنين وتستجدي نوال المتفضلين، تسألهم من نوالهم ومن فضل الله - سبحانه وتعالى - عليهم، مع أنها لم تتعود هذا النمط من السؤال لأن زوجها سجن، وترك لها صبية لا تجد ما تحملهم عليه؟
وكم من امرأة شريفة عفيفة اضطرتها مطرقة الفقر الثقيلة حتى سلكت سبلاً ملتوية وراء الشر والبغاء والشقاء والفجور والعياذ الله؟
أيها الأخوة: أين الشهامة وأين الرجولة وأين المعروف واحتساب الأجر من الله - عز وجل - بل أين شيم العرب الذين كانوا يتسابقون إلى إكرام الضيف والتيسير على المعسرين وفك العاني.
أيها الأخوة: مما سمعنا من قصص هؤلاء، قبل عدة أيام، أتاني أحد الأخوان وأخبرني عن قصته فهو رجل بلغ من الكبر عتيا ولم يتزوج لفقره، وقد استلف من قريب له مبلغاً من المال ليستعين به على الزواج، ثم تزوج وخلف صبية صغاراً أفراخاً لا يستطيعون أن يسعوا لأنفسهم فما كان من قريبه إلا أن شكاه وطالب بسجنه، فباع سيارته التي لا يملك غيرها، وسدد نصف ما عليه إلا أن قريبه أصر على سجنه فطرح في السجن، ولولا أن بعض المحسنين دفعوا عنه الباقي لبقي في سجنه من أجل ذلك المبلغ.
وقصة أخرى أيها الأخوة وقفت عليها وهي لرجل كثر دينه حتى أصبح لا يستطيع سداده، فألح غرماؤه حتى سجن فأصيب في السجن بحالة عقلية نظراً لكثرة تفكيره بأهله وأولاده، فطالب غرماؤه بسجن أخيه، فما كان من أخيه إلا أن هرب وترك عائلته وعائلة أخيه في أسوأ حال.
وقصة حكاها أحد الأخوة الثقات عن أحد المحسنين الذين يتتبعون أحوال هؤلاء، قال دخلت السجن لأجمع أخبار هؤلاء المنكوبين، فاعترض لي شاب قرأت الشقاء والتعاسة في وجهه، وأخذ بيدي وجنح بي جانباً وقال لا أريد أن أكلمك ولكن من فضلك وإحسانك تقرأ هذه الرسالة، قال ففتحت الرسالة وقرأتها، فإذا هي رسالة تبكي لها النفس بدماء القلب قبل دموع العين، وفيها من الزوجة فلانة إلى زوجها فلان لم أتمتع معك في حياتنا الزوجية إلا أياماً قلائل حتى غيبوك في غياهب السجون، كم سنة غبت عني؟
لا أدري ماذا فعل الله بك؟ ولا أدري عنك أحي فترجى أم ميت فتنعى؟ ليتك ترى حالي وليتك ترى حال صغارك، لست أدري هل أخون أمانة الله وأمانتك واطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك، أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك، أم أصبر واحتسب وأجري على الله - عز وجل -؟
وكلام كثير يطول ويطول..يبكي له المسلم، فقال فما كان مني إلا أن أخرجته بيده وعلمت أنه بقي في السجن سنين عديدة، لأنه تحمل غرامة ودية ولم يسأل عنه أحد، قال فلما تحققنا من حاله وجدنا حاله كما ذكر في الرسالة فسددنا عنه وفرجت مصيبته والحمد الله.
وحوادث كثيرة أيها الأخوة لا أريد أن أطيل عليكم وأثقل مسامعكم بذكرها، تحكي الظلم الصارخ الذي يعانيه هؤلاء المساكين الذين لا يجدون ما يسددون به ديونهم من قبل دائنيهم.
فاتقوا الله أيها المسلمون، واحتسبوا الثواب من الله –عز وجل-، واعلموا أنه لا يحل لكم ولا يجوز لكم أن تشكوا هذا المسلم المسكين الذي لا حول له ولا قوة.
ماذا تستفيد أيها الأخ المسلم من سجن هذا المظلوم الذي تسببت فيه، فهو قابع في زاوية من زوايا السجن، يقطع الليل دعاء عليك، لا يدري ما فعل الله بأسرته وأولاده، تسببت في سجنه وسددت منافذ الرزق عليه فهو حري أن يدعو عليك والله - عز وجل - لا يرد دعوة المظلوم وإن أفلت من دعوته لن تفلت من دعوة أبيه الكبير وأمه العجوز التي تقطع الليل دعاء وتحسباً عليك.
فاتق الله يا أخي المسلم وهب نفسك مكانه، وهب انك أنت الذي تعرض لهذه المصيبة، كيف تحب أن يعاملك الناس وكيف تحب أن يعاملك أصحاب الحقوق.
تذكر وأنت تسرح وتمرح في هذه الحياة وتدخل وتخرج على أولادك وتأكل معهم وتفرح بهم وتنام ملء أجفانك بهنأ وراحة تامة في الليل، وهذا المسكين قابع في سجنه لا يعرف النوم إلى عينه سبيلاً، لا يهنأ بطعام ولا يلذ بمنام يفكر في أولاده الذين تسببت في ضياعهم وفي تشتيت شملهم.
فاتق الله وإياك أن تدركك دعوة المظلوم.
تنام عيناك والمظلوم منتبه - يدعو عليك وعين الله لم تنم
أيها الأخوة في الله: لا تكن معاملتنا معاملة مادية فحسب، ولا تكون العلاقات الأخوية مبنية على المصالح المادية بالدرجة الأولى،
قال - تعالى -: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى42).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
استغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم بهديه مستمسكون وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: أوصيكم ونفسي بما أوصى الله به الأولين والآخرين من خلقه (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً) (النساء131).
أيها الأحبة في الله: وأنا حين أذكر لكم هذه الحوادث وهذه المعاملات الظالمة الآثمة التي تتصف بالظلم الصارخ والاعتداء الآثم الشنيع، فإنني أؤكد بأن الغارمين والمدينين لديهم شيء من المماطلة والتساهل، ولكن في كل الأحوال كن سابقاً بالفضل ولا تقابل الظلم بظلم مثله، وإن كان قد حصل فعلاً لك ظلم من مدينك فلا بأس أن تعامله بما يستحق، أما الأمر المنهي عنه هو أن تطالب بسجنه وأنت تعلم أنه لا يستطيع السداد، ولو طلبت من بعض الدائنين القسم لأقسموا أن هؤلاء المدينين لا يملكون شيئاً يسددون به ديونهم، ومع ذلك يسعون بكل وسيلة لسجنهم وتضييع أهلهم وتشتيت شمل أسرهم فهذا هو الظلم بعينه والعياذ بالله، وإذا كان هؤلاء الناس يسلكون هذا النمط من المعاملة الظالمة، فأي معاملة يجب أن يعامل بها الدائن غريمه ولا سيما إذا كان مفلساً وعاجزاً عن السداد.
أيها الأحباب: لقد بين الله –عز وجل- في كتابه المبين أن المدين إذا بلغ به الحال إلى حد العسرة ولم يستطع السداد، فإن معاملته يجب أن تكون من خلال طريقين لا ثالث لهما، أما الطريق الأول فهو انتظار المدين حتى يفتح الله –عز وجل- عليه باب الرزق وحتى يبدل الله عسره يسرا وأنت بذلك مأجور إن شاء الله، ومشكور عند الله –عز وجل- وعند خلقه، وحري أن يدعو لك هذا المسكين بما عسى الله أن يرفعك به يوم القيامة، وأن يبوئك أعلى المنازل في الجنان.
فلا يحل لك أن تطالب بسجنه بل يجب أن تصبر عليه حتى يبدل الله - عز وجل - حاله يسرا.
أما الطريق الآخر فهو العفو عن المدين والصفح عنه قدر الاستطاعة، يقول الله - تعالى -: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون).
أخي المسلم الدائن: إن إعفاءك عن مدينك ومسامحتك له من أفضل الصدقات عند الله –عز وجل-، وإنها تفريج لكربات المسلمين، وهي من التيسير على المعسرين ومن ستر عورات المسلمين، وتلك والله من أفضل الأعمال عند أرحم الراحمين.
قال - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عنه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وأرضاه: ((من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة فيسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)).
واعلموا أن مسامحتكم لهؤلاء المساكين من أفضل الإحسان ومن أعظم المعروف، والله - عز وجل - يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الحج: 77).
ويقول الله - تعالى -: (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195).
وقبل أن أنهي حديثي في هذا الموضوع المهم، لا بد أن ألفت أنظار الغارمين لأن ذلك من باب العدل والإنصاف، فأقول لهم اتقوا الله - عز وجل - وسارعوا بسداد ما عليكم، ولا تنسى أن هذا الذي تكرم بقرضك وسلفتك قد أحسن إليك فلا تقابل إحسانه بالإساءة، بل قابل إحسانه بالشكر والعرفان، وإذا ما يسر الله عليك فعجل ببراءة ذمتك، فذلك خير لك عند الله وعند خلقه، وإياك أن تماطل و تسلك السبل الملتوية فإن ذلك ظلم مبين يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: ((مطل الغنى ظلم)) أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.
فبادر بالإحسان إلى من أحسن إليك، وإلى سداد ما تحمله ذمتك فذلك أبرأ للذمة وأقسط عند الله - سبحانه وتعالى -، واعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموالهم يريد إتلافها أتلفه الله في الدنيا والآخرة))، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.
فأسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يكشف عن كل مكروب كربته، وعن كل مضطر ضره، ويا أيها المحسنون إذا كنتم قد تكرمتم أولاً بإقراضهم فأحسنوا ثانياً بالصفح عنهم إذا كانوا لا يجدون ما يسددون.
اللهم وفقنا للصالحات، وارزقنا توبة قبل الممات، يا عالم السر والنجوى والخفيات، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه عموما، ولم يزل قائلاً عليما وآمراً حكيما، أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنا بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وأنسه.
فقال –عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (سورة الأحزاب: 56).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا)).
اللهم صلى وسلم على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا وأستاذنا ومرشدنا ومعلمنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحابته ومن أستن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين من اليهود والنصارى والشيوعيين يا رب العالمين، نسأل الله - تعالى -لنا ولجميع المسلمين الهداية والرشاد ونسأله - تعالى -أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر.
المراجع
zadalddaeia.com
التصانيف
ثقافة