لا تبعد بلدة الأزرق أكثر من تسعين كيلومترا عن عمان. لكنها ظلت على مدى السنوات الماضية أبعد من أن تلتفت لها الحكومات. فهي قابعة في وسط الصحراء واحة جفت وقصة نضال غلفها النسيان. أهلها، كمثل الكثيرين من سكان القرى والبوادي، يسعون وراء لقمة العيش التي عزت في زمن الصعوبات الاقتصادية التي جعلت الفقر رفيق حياة. وحالها، كمثل حال جل المناطق النائية عن عيون المسؤولين، لم تستجلب انتباه حكومة ولم تحرك في وزير الرغبة في إطلاق فعل نافع يرفع بعضا من ضيم ألحقه الإهمال بحوالي عشرة آلاف مواطن.
كان في الأزرق واحة جفت بفعل الضخ الجائر لمياهها؛ بقرار مسؤول لم يشأ أن يرى إلى أبعد من اللحظة، واختار أن يتجاهل الآثار الدمارية لتجفيف الواحة على البيئة وعلى أهل الأزرق. وكان فيها مصنع لتكرير الملح، الذي يحصده الأزرقيون من رمل الصحراء، أفلس لغياب الإسناد ولقرار إقامة مصنع ملح الصافي الذي أفشل مصنع الأزرق قبل أن يفشل ويكبد الدولة خسائر بعشرات الملايين.
وعبثا حاول الأزرقيون أن يحصلوا على فعل حكومي يغير حالهم. كتبوا العرائض وقابلوا المسؤولين، بيد أنهم لم يعودوا إلا بوعود ثبت أنها فارغة. فلا وزير أو نائبا في عمان يضغط من أجلهم. ولا أولوية لمنطقة صحراوية رغم أنها بوابة البلد إلى السعودية والعراق عبر طريق مهترئ اكتسب بجدارة صفة طريق الموت لكثرة ما يشهد من حوادث مرورية. وحدها أراضي الأزرق اجتذبت بعضا متنفذا لم يطأها إلا للاستيلاء على آلاف الدونمات التي هي حق لأهل المنطقة.
تجذر الفقر وعم الإحباط. مصنع الملح، الذي وفر فرص العمل وكان مصدر الدخل الرئيس لأبناء البلدة، صار، كما الواحة، أطلالا لا حراك فيه وشاهدا على سياسات حكومية دمرت اقتصادا محليا وتركت حوالي عشرة آلاف أردني يعانون ضنك العيش وثقل الظلم في آن.
لكن الوضع سيتغير الآن. جلالة الملك زار الأزرق واطلع على معاناة أهلها. سمع منهم عن تظلماتهم وأسمعهم ما طمأنهم إلى أن الفعل الذي يحتاجونه لإنصافهم آت. وعد الملك الأزرقيين بحلول لمشاكلهم. ووجه المعنيين إلى بدء العمل على برامج تنفيذ هذه الحلول.
سريعا سيلمس أهل البلدة آثار هذه البرامج. وسيلقون اهتماما لم يعهدوه من قبل في تعامل الحكومات معهم. فما كان مستحيلا في الأمس سيصير متاحا غدا. ذاك أن الاستحالة كان مردها قصور الحس بالمسؤولية، لا قصور ذات يد الحكومة. وهذا قصور لن يستمر بعد أن تدخل الملك.
في ما جرى في الأزرق مؤشر على خلل مؤسساتي في إدارة الدولة لا يجوز أن يستمر. فإدارة الشأن العام مسؤولية السلطة التنفيذية. ولا يعقل أن تظل معاناة الناس منسية وحقوقهم ضائعة إلى أن يتدخل الملك. آن وقت أن يقوم الجهاز الحكومي بمسؤوليته كاملة ويضع آليات مؤسساتية تضمن التزام معايير ثابتة وآليات عمل فاعلة ومنصفة في تسيير شؤون المواطنين. فغياب تلك الآليات يعرض مواطنين، بل مناطق كثيرة في المملكة، إلى ظلم لا يستحقونه. وثمة الآن حكومة جديدة تملك فرصة تحقيق ما عجزت عنه سابقاتها.
ولحسن حظ أبناء الأزرق وكل الأردنيين أن الملك يتابع شؤونهم ويتحرك حين تسبت السلطة التنفيذية. ولولا ذاك لتوتد الظلم ولدمرت مجتمعات محلية برمتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد