لن يتوقف كثيرون في المنطقة عند الذكرى الثانية والستين لاستقلال المملكة. فالمناسبة محطة عادية في عمر البلد ولا تملك أيا من مقومات التشويق أو الإثارة التي تجعل الأحداث التي تعصف بعالم العرب أخبارا تلوكها الألسن.
بيد أن غياب هذه الأحداث هو ما يجعل ذكرى الاستقلال الأردني مناسبة تستحق التوقف عندها والاحتفاء بها. فرغم العواصف والصراعات والضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تحيط البلد من كل جانب، يحيي الأردن ذكرى استقلاله وطنا آمنا مستقرا متمكنا سبل المضي في تشييد الدولة الديمقراطية التي يجب أن يكونها. وهذه بكل المعايير ميزة يكاد ينفرد الأردن بإنجازها من بين كل جواره وتجعل من ذكرى الاستقلال حدثا يستحق الوقوف على أسبابه ودلالاته إنصافا للبلد.
فالقصة الأردنية لم تنصف. ولعل أكثر من أنكر على المملكة إنجازها بعض من أهلها لا يبصر فيها جميلا ولا يقر لها بفضل ولا يرى إليها إلا بعيون رفضوية تحبيطية معمية بغشاوة اختيارية عن وطن حفر بالصخر وجودا كان منذ ولادته مهددا.
ولير من يصر على تصغير المنجز الأردني إلى الأحداث الإقليمية التي تحتفل المملكة بذكرى استقلالها الثانية والستين وسطها. في تلك الصورة الكلية يظهر الحجم الحقيقي للمنجز الأردني. فالأمن نعمة حافظ عليها البلد رغم محاولات ضربها من قوى إقليمية ظلت رغم ذاك تحظى بإسناد الرفضويين من أبنائه. ومع أن الديمقراطية لم تتجذر عملا مؤسساتيا بشكل كاف بعد، فإن الانفتاح السياسي حقيقة لا ينكرها إلا أولئك الذين تفقد محاولاتهم تقنع الديمقراطية ونشدها صدقيتها حين يتغنون بأنظمة مجاورة لا تنفك تستبيح إنسانية مواطنيها. وفي كل سياق آخر ترى العيون المتجردة الأردن مشهدا تزيد فيه الإيجابيات عن السلبيات وحالا تبرر تبني مسيرة البلد أنموذجا في البناء الوطني الحقيقي.
لا يعني هذا أن المشهد مثالي خال من المنغصات. فتلك كثيرة. والإقرار بالإنجاز لا يعني القول بكماله. وهو لا ينفي أيضا وجود قصور وتعثر في مسيرة الدمقرطة وفساد أتاح لبعضٍ القفز على القانون وتجاوز المؤسسات. كل ذاك موجود ومؤذ. محاربته ضرورة وطنية وشرط لاستمرار مسيرة البناء التي ظلها الأردن مذ تأسس.
وما المقاربة الإقليمية حجة لتكريس الأسوأ معيار قياس. هي مقارنة يفرضها لزوم وضع الأمور في سياقها. فالأردن ليس جزيرة محصنة ضد ما يتفاعل في جوارها. هو على العكس دائم التأثر سياسيا واقتصاديا وأمنيا بما يدور حوله بحكم موقعه وحجمه ودوره. ولم يدرس مؤرخ أو مختص تاريخ البلد إلا واندهش من حجم إنجازه في ضوء ما فرض عليه إقليمه من تحديات وما أحاطه به من معيقات.
الاستقلال مسيرة عمل. وكمثل أي مسيرة فهي تتسارع حينا وتتعثر طورا. لكن عدد المدارس والأطباء وانتشار شبكات الكهرباء والطرق وثبات الاستقرار وتوفر الأمن ورحابة الأفق السياسي كلها دلائل ملموسة على أن المسيرة تقدمت أكثر مما تعثرت.
إعطاء البلد حقه في الإقرار بإنجازه مدخل وطني أخلاقي لواجب نقد الإخفاقات، وشرط من دونه لا تكتسب دعوات معالجة هذه الإخفاقات الصدقية التي تحتاجها صرخة للتحسين والتطوير لا ذريعة لتبشيع صورته انطلاقا من عقائديات وولاءات ترفضه ومنهجه.
وكل عام والأردن بخير.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد