كان طبيعيا أن تتدفق كل هذه الدموع على محمود درويش. كان طبيعيا أن يكون الرثاء صمتا والحزن إغراقا فيه. 
فليس بعد "الجدارية" كلام يقال. تنحني القصائد وتتلعثم الأحرف في وداع سيد الكلام الذي هزم الموت بعنفوان المتمسك بالحياة, قيمةً لا يغيبها توقف قلب أو هلاك جسد.
سار محمود درويش إلى الموت على قدميه يتحداه أن لا مساومة على نوع الحياة التي عاش وأراد. أخذ الموت الجسد لكن الروح تظل حاضرة في عالم جسّده درويش شعرا متمردا على السياسة والثقافة واللغة والقصيدة. أعاد درويش تعريف الوطنية والحب والترابط مع الزمان والمكان والحدث, فصار خارج القوالب: لا يصنف ولا يحاصر بوصف.  هو شاعر الوطن والحب والحياة والتجديد وناحت الحرف يدفعه إلى أقصى تعابيره فيكون كل ديوان روحا تحمل ولادة أخرى منفتحة على اعتلاءات تكسر سقف ما سبقها.
فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة. لذلك ظل درويش حيا يتجدد كل يوم شعرا وفكرا وحياة أبى إلا أن تكون طبيعية فرفض أن ترتهن لجهاز يصنعها وزيفا يحرك نبضها.
لكن درويش عاد إلى وطنه جسدا ينبض رغم الموت. ينبض بتفاصيل قصة حياة أرخ لها بأسمى أدوات التعبير, وهيأ لها أن تظل متمسكة بتراب وطنه الذي تغبر فيه طفلا وخلد قدسيته شعرا سيبقى طويلا بعد أن يذوب لحمه فيه. فشاعر القضية هو ذاته شاعر الحب وشاعر الإنسانية يتمرد على الغياب, يتحداه, ويهزمه ببقاء أمده أفق الكلمة اللامنتهي. 
وفي رام الله كما في عمان كان درويش بين أهله يحتضنونه معنى باقيا في ذاكرة جمعية أسهم في كتابتها. سالت دموع أمه ودموع الألوف ممن تونسوا بشعره في اسوداد راهن العرب. وانطلق شعره يذكر مودعيه أن لا غياب للحياة, ولا احتلال يخنقها ولا يكبلها تخلف ولا يقزمها انغلاق.
وربما كانت رسالة درويش أن الحياة أكبر من أن تنغلق أمام دعاة أضدادها, أعداء كانوا أم محتلين أم خصوما ثقافيين مخنوقين في غياهب تخلف فكري لا يرنو إلى الشمس.
فإن غاب درويش, بقيت الأرض التي أنجبته والحواري التي كونته والثقافة التي صقلته خصبة عذبة, تنتظر أن يغرف منها جيل جديد يبني على ما شيده سيد الكلام ويجتر منها كلاما جديدا يحتفل بالخبز والقهوة والزعتر والشعر والمعرفة والحرية في سعي، لا يتوقف، إلى اتقان الحياة.
مثل درويش لا يرثى. فهو لا ينتهي. موته لحظة تذكر ووقفة مواجهة مع الراهن لتحديه والانتصار عليه, بالكلمة وبالموقف وبالإيمان أن الحياة, كمثل زهر اللوز, تولد كل ربيع.

المراجع

[Vhttp://www.alghad.com/articles/543749-%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8%20%D8%B3%D9%8A%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85 جريدة الغد]

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد