أكاد أن أقول أننا كلنا ذلك الرجل، ولكن على تفاوت بيننا، فأنت تسمع الشكوى ذاتها حيثما اتجهت، لكن من يدفع الثمن أكثر هو من لا يملك «مصدات» لاستيعاب رياح الزمن العاتية.

بدر واحد من هؤلاء الذين «انكشف ظهرهم» لهذه الريح، هو مواطن أردني من ابناء هذا المجتمع الطيب، تخرج في مدارسه وجامعاته قبل نحو أربعين عاما..

عمل منذ فترة تخرجه في إحدى المؤسسات إلى أن بلغ الستين، وتدرج في الوظيفة حتى وصل مرتبة مدير دائرة متقاعدا من العمل العام..

شاء الله أن يُبتلى بإعالة 18 فردا، منهم زوجته المصابة بسرطان القولون، تعالج في مركز الحسين للسرطان على نفقة الديوان الملكي..، ومنهم ابنه المصاب بمرض نفسي يطلق عليه البعض «الاكتئاب» كما يقول، وهو لا يعمل بحكم مرضه، علما بأن هذا المرض شائع جدا في مجتمعنا، ولمن يتفاوت في شدته، ويقع أمر إعالته هو وأطفاله الثلاثة وزوجته بما في ذلك اجرة بيته، على عاتق بدر.

أما باقي المعالين فهم خمسة من البنات، ومثلهم من البنين، أما البنات فكلهن على مقاعد الدراسة، وغالبيتهم متفوقات شأنهن شأن أبناء الفقراء، وكذا هو شأن الذكور، فهم بين دارس وعامل يكاد يكسب ما لا يسد الرمق.

باختصار، هذا العبء الكبير على بدر اثقل كاهله، كما هو شأننا جميعا في هذا المجتمع، إلا أن «الميزة» التي طبعت حياة بدر: الدين الفاحش، وتراكمه المضطرد، حتى أن بدر بات مهددا بالسجن، إن لم يكن قد سجن فعلا –لا سمح الله – مع خروج هذا المقال إلى النور.. فماذا حصل مع بدر؟.

أمضى بدر شهر رمضان على الكفاف، وحين عجز عن دفع أجرة البيت، تم طرده منه بحكم محكمة، وتم الحجز على ما يبقى من راتبه التقاعدي لمدة سبعة شهور ابتداء من شهر رمضان الخير.

بدر لم يعد يجد ما يسد به رمق أسرته الضخمة، نتيجة مهارة المحامين الذين «تنمروا» عليه خلال شهر رمضان() كما يقول، فحجزوا على راتبه وراحوا يهددونه: الدفع أو السجن، بحكم القانون، وهو كما يقول شيخ كبير يحمل على أكتافه ثلاثا وستين سنة، ولا قبل له بالسجن، وهو موقن أنه سيلقى حتفه في السجن، لأنه لن يستطيع سداد ما عليه من ديون وهو في السجن، ناهيك عن ترك أبناء أسرته نهبا للضياع واللوعة والجوع.

يسأل بدر: مَنْ مِن أهل الخير وأصحاب القرار يحول بينه وبين السجن؟ من يستطيع أن يفك مشنقة المحاكم عن عنقه؟ من يأخذ راتبه التقاعدي نظير أن يساعده في عمل ترتيب ما يمنع عنه السجن، ويوفر ما يقيم أود أسرته؟.

يسأل أخيرا، ونسأل معه: من في هذه الأيام يقول أننا مجتمع لا يسجن الفقراء منا، ولا ندعهم يموتون ضعفا وقهرا؟؟.

يا بدر...

أخشى أن سجوننا كلها لن تتسع لمن يعانون مما تعاني في هذه الظروف العصيبة، ولكن على تفاوت بيننا، فالحمد لله من قبل ومن بعد.

 

بقلم حلمي الأسمر


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية