على امتداد ما يقارب من ثلاث ساعات تحدث محمود عباس في افتتاح مؤتمر فتح السادس. قوطع بالتصفيق غير مرّة عند بعض المحطّات وفي النهاية وقف الحضور وصفقوا طويلا في استفتاء على قيادته.
رأى المراقبون على الفور أنه تُوِّج ملكا للمؤتمر، وهو الرجل الذي صنّف حتّى الأمس بالضعيف والفاقد للسيطرة، ومقابل ذلك فإن عشرات القيادات تجد نفسها من دون أي يقين حول ثقلها وفرصه في الانتخابات، التي ستجري بعد يومين، قال عبّاس إنّها ستكون شفافة ونزيهة بصورة مطلقة.
بدا عباس مرتاحا وبمزاج جيد وترك النصّ المكتوب كثيرا، وهو يراجع تاريخ فتح منذ انطلاقتها معرجا على مختلف المحطّات، وعند محطّة الكرامة كان ابو مازن وفيّاً لأسلوبه المعتدل والنزيه، فقد اهتمّ بالتذكير بدور الجيش الأردني وبسالته في المعركة. وفي مؤشر على الوضع المريح في المؤتمر صرف عباس كلمات قليلة على اتهامات القدومي من دون ذكره بالاسم وأعطى الوقت الكافي للحديث عن الأوضاع الراهنة مهاجما حماس بلغة حازمة، إنما من دون انفعال زائد.
كان وزير في السلطة قد اكّد لنا أنهم وافقوا عبر قنوات الوساطة على إطلاق سراح ما لديهم وهم 600 سجين، لكن حماس طلبت 800 سجين، فقال عباس للوسطاء إن عليه اعتقال 200 شخص آخر ليلبي لهم مطلبهم! وأكّد الوزير بأن حماس لم تكن في الواقع تريد اتفاقا وهي أعلنت للإعلام فقط شرطها الأول المتعلق بالسجناء بينما قائمتها التي استلموها تتضمن شروطا أخرى مالية وسياسية وأمنية مستحيلة.
سيطرة أبو مازن على الموقف تبدت في اجتماع المجلس الثوري عشية المؤتمر، فقد تقدم باقتراحين الأول الموافقة على زيادة عدد المؤتمرين (من 1550 الى 2260) التي اصبحت أمرا واقعا لحلّ إشكالات عملية في عدد من الأقاليم، لكنها حسب مراقبين خلطت الأوراق بقوّة وعومت وضع الجميع. والاقتراح الثاني لحلّ مشكلة غزة بتشكيل لجنة من تسعة أعضاء تدرس الاقتراحات المطروحة لمعالجة مشكلة غزّة وتقدمه الى المؤتمر قبل الانتخابات لإقراره، وبذلك ضمن عباس تحييد مشكلة غزّة خلال المؤتمر، لأن أي قرار كان سيغضب آخرين وقد يفجّر الأجواء.
الاقتراح الرئيس الذي قد يعرض على المؤتمر هو ترك ثلث مقاعد اللجنة المركزية شاغرة تملأ فيما بعد، أمّا كيف تملأ فهذا ايضا يترك للهيئات الجديدة المنتخبة، وبذلك يتمّ ايضا ضمان عدم تفجير الانتخابات، لأن فرص الجميع من المتنافسين في غزّة ستظلّ باقية ما دامت الآلية لم تحدد، وهنا سيكون عباس مجددا قد ثبّت سيطرته على الموقف وأزال الألغام من طريقه ليعالج على مهل وينتقي رجاله من غزّة ايضا باعتماد الآلية المناسبة لملء الفراغات الخاصّة بغزّة.
بحضور 70 وفدا عربيا وأجنبيا وحضور إعلامي كبير أخذ المؤتمر منذ جلسته الأولى يخطو نحو النجاح، وبدا الشوق الفتحاوي واضحا لاستعادة أمجاد قديمة وصدحت أناشيد فتح التاريخية من حين لآخر ووقف الحضور وصفقوا تكرارا لأسماء كبار الشهداء وأسماء عربية وأجنبية ويهودية تفانت في خدمة النضال الفلسطيني وتقرر تكريمها. وقال أبو مازن انه قد تحققت معجزتين؛ الأولى عقد المؤتمر والثانية عقده في الداخل، والثالثة على الطريق وهي نجاح المؤتمر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد