كان الحسين رحمه الله يبدي اهتماما استثنائيا بالشباب، والرياضة التي كان يمارسها ويرعاها طيلة سنوات حكمة الميمون.
في العام 1968 كان الشباب الاردني على موعد مع افتتاح مدينة الحسين الرياضية، كانت المنشأة الرياضية أكبر من طموح الشباب، ولم يكن لها مثيل في الدول العربية المحيطة، وكلفة انشائها ستة ملايين دينار، وهو رقم كبير في مقاييس وموازين الأردن العام 1968.
وأذكر ان المعارضة هاجمت بقوة "هدر المال"، وكأن الاستثمار في الشباب والرياضة ليس جزءا من التنمية الشاملة!
من حسن حظي أنني شاركت في هذا الحدث الرياضي الكبير، كلاعب مع المنتخب الأردني لكرة القدم. وقد جرى افتتاح مدينة الحسين الرياضية بمباراة بكرة القدم بين المنتخب الاردني ومنتخب مصر تحت الرعاية الملكية وبحضور الأمراء وكبار رجال الدولة. كنت حارس المرمى الاحتياط في المنتخب الأردني ولا يتجاوز عمري (18) عاما، فقد كنت طالبا على مقاعد التوجيهي.
كان حارس مرمى الأردن الأول نادر سرور، حارس الفيصلي وهو حارس بارع، لكنه أصيب أثناء التدريب، فحل محله عبد الكريم عياش، الذي كان يلعب مع نادي الجزيرة.
عرفت من الصحف أنه تم اختياري لأكون حارسا من حراس مرمى المنتخب الاردني. وكنت في حينها ألعب مع فريق نادي الجزيرة، الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة وكانت إدارات النادي ذات ميول حزبية (معارضة)، وكنت أتقاضى مبلغ نصف دينار أسبوعيا بدل مواصلات. رفض والدي، رحمه الله، مشاركتي في معسكر لتدريب المنتخب لمدة أسبوع، حتى لا تتأثر دراستي.
التحقت بالمنتخب من دون تدريب أو إعداد جماعي، ولم اسمع عن شيء اسمه "خطة" للفريق، كان كابتن المنتخب ابو العوض ورأس حربة الفريق المرحوم مصطفى العدوان.
نقلتنا الحافلة إلى مدينة الحسين، وكان دوار الداخلية (اليوم) قيد الانشاء، والطريق من الدوار إلى البوابة الرئيسية لم تكن معبدة إنما كانت مرصوفة بالحجارة، وقيد الانشاء.
أحضرت ملابسي الرياضية الخاصة معي، ولم يقدم لي المنتخب لباسا خاصا، ربما لأنني لم اشارك في معسكر التدريب.
خرجنا من غرفة تغيير الملابس في المدينة الرياضية في الوقت المحدد لملاقاة عمالقة المنتخب المصري، الذي كان يضم نجوما نعرف أسماءهم في الأردن من بينهم محمود الجوهري المدير الفني لمنتخبنا، والرياضي المعروف، وعلي ابو جريشة وآخرون. كنت أحمد الله في سري لأنني سأكون على خط الاحتياط ولن أخضع للامتحان.
ما إن دخلنا الملعب، ورأيت أكثر من عشرين ألف متفرج يصفقون ويهدرون، حتى وقف شعر رأسي، و(نشف ريقي) من هول المنظر، لم أشهد في حياتي مثل هذا العدد الضخم من الجمهور، بدأت أتحسس النجيل الأخضر تحت قدمي وأتأمله بعيني، وأراقب ارتداد الكرة على هذا النبت الأخضر العجيب، فهذه أول مرة أشاهد بعيني ملعبا أخضر.
بدأت المباراة، وكنت أجلس على مقاعد الاحتياط، انتهى الشوط الاول بنتيجة (2 - صفر) لصالح المنتخب المصري، وفي بداية الشوط الثاني سجل المنتخب المصري هدفا ثالثا سهلا بخطأ من زميلي حارس المرمى.
فسمعت صوت المدرب يقول لي استعد (اعمل إحماء)، وقع علي الخبر كالصاعقة، إذن سيخرج بي إلى المعركة، كنت أتمنى ان يغير المدرب رأيه، لكن وقع ما كنت أخشاه.
دخلت إلى الملعب راكضا، وقلبي كان يخفق مثل (الجك همر)، وأخذت مكاني على المرمى الغربي، بدأت غزوات المنتخب المصري تتوالى علي، وأسعفني الحظ بصد كرات سهلة، أتاحت لي فرصة للاستعراض، وبعد عشر دقائق من نزولي إلى الملعب نجح ابو العوض بتسجيل هدف جميل من ضربة حرة مباشرة بعيدة عن منطقة الجزاء.
ارتفعت معنوياتنا، لكن المنتخب المصري الجريح ركز هجماته، وهز شباك مرماي بثلاثة أهداف أخرى، وانتهت المباراة (6-1) لصالح مصر، وقد سجل التلفزيون الاردني المباراة يوم الجمعة وبثها لاحقا يوم الثلاثاء، لعدم وجود امكانات فنية للبث المباشر، وكانت الصورة أبيض وأسود. كم اتمنى أن أحصل على نسخة من الشريط لأشاهده اليوم بعد أن غطى الشيب رأسي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  بسام حدادين   جريدة الغد