أوقعتنا أقوال مدير عام الموازنة في بلبلة، على هامش تقديمه لموازنة العام 2010، فقد قال الدكتور إسماعيل زغلول إن الحكومة ماضية في سياسة تحرير أسعار المحروقات والأعلاف فيما ستعيد النظر في أسعار أسطوانة الغاز، تبعا للمستجدات في سعر المادّة في السوق العالمي. أي أن أسطوانة الغاز فقط سوف تبقى خاضعة للأسلوب القائم حاليا بالنسبة لجميع المشتقات النفطية، وهو وجود تسعيرة تقرر الحكومة تغييرها وفقا لتغير الأسعار دوليا.
هل سينتهي، إذن، الأسلوب الحالي بالنسبة للمحروقات فتصبح أسعارها حرّة حسب العرض والطلب؟ وماذا عن التوجه لتجديد امتياز المصفاة لمدّة 15 عاما؟! احتكار السوق المحلي استيرادا وتكريرا وبيعا لا يستوي مع تحرير الأسعار، فكيف يمكن أن تحتكر جهة واحدة السوق ثم تعطى حرية تحديد السعر؟! أم أن المصفاة مع الشريك الاستراتيجي ستعطى فقط امتياز التكرير مع حق الجميع في استيراد المشتقات النفطية أو شرائها من المصفاة والمنافسة في بيعها؟! من المشكوك فيه تماما أن الشريك الاستراتيجي يوافق على هذا فمن صلب شروط العرض من أجل دفع التمويل الضخم لتوسعة وتحديث المصفاة هو ضمان التفرد بالسوق المحلي. فأين تقف الحكومة بالضبط؟
ربما غامر الدكتور زغلول بتصريحات سياسية خارج الحدود الفنّية، استمرارا لخط سابق مقرر من دون الانتباه إلى المستجدات على الساحة الحكومية، أو أن هناك مستجدات وأن قرار الحكومة السابق بالموافقة على مبدأ منح الامتياز لخمسة عشر عاما جديدة لم يعد قائما وأنها ستمضي في الخط المقرر في استراتيجية الطاقة بتحرير سوق النفط وأسعاره بغضّ النظر عمّا سيؤول إليه الأمر مع مصفاة البترول؟!
بانتظار أن تجلي لنا الحكومة الصورة، أريد العودة إلى موضوع التسعيرة الإلزامية، حيث فضّلت الحكومة عليه إنشاء شركة عامة بالشراكة مع القوات المسلحة لاستيراد السلع الغذائية لضبط ارتفاع الأسعار ومواجهة الاحتكار.
فقد تلقيت تعليقات على مقال سابق يشكك في سلامة هذا الأسلوب، واتصل بي أيضا الصديق سامر الطويل، وزير الاقتصاد الوطني الأسبق، وفاجأني بوجه نظر تدعم بقوّة تدخل الدولة بالتسعير كأسلوب أجدى وأفضل من دخولها كتاجر منافس، حيث يرى أن تدخل الدولة بالتسعير حين اللزوم هو أولا حق مكفول في قانون وزارة التجارة والصناعة وقانون المنافسة، وثانيا هو وسيلة مضمونة وعملية أكثر من إنشاء شركة بالرأسمال الفلاني يتصرف بها موظفون غير ذوي صلة بعالم التجارة والسوق، ولن يكونوا أكثر شطارة من التجار في الحصول على اسعار مناسبة، ناهيك عن الهدر واحتمال تسلل الفساد والمحسوبية إلى هكذا عمل.
واستشهد الطويل بتجربة الدواء الذي ما زال يقوم على التسعيرة، ويشمل آلاف الأصناف، وفق معايير مقررة، ولم ينسحب أحد من تجارة الدواء بسبب التسعيرة. أي أن الدولة تستطيع القيام حين الحاجة بشيء من هذا القبيل بصورة فعّالة. لنقل أنها وجهة نظر مشروعة تستحق البحث ايضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد