اذا كان الأمن العام يأخذ عطوة فقد يقبل غدا الجلوة، أي جلوة الأمن عن المنطقة! أنا لم أسمع من قبل بهذا. والخبر المنشور أمس يقول إن "جاهة" من الأمن العام برئاسة مدير أمن اقليم الوسط استقبلها أهالي ووجهاء ومخاتير عشيرة "مواطن" تعرض "للضرب" السبت الماضي، حيث حصلوا من العشيرة على عطوة أمنية لمدّة شهر!
كل التفاصيل الأخرى جيدة ومقبولة: أن يستقبل مدير الأمن العام وفدا من أهالي المصاب، وأن يتعهد بتحويل القضية إلى القضاء لينال المذنبون عقابهم، وأن يذهب وفد من الأمن العام ويطيِّب خاطر أهل الضحية، ويتعهد بعدم التهاون مع مخالفين محتملين من الشرطة، قد يكونون تسببوا في الغيبوبة التي يرتجى أن لا تكون وفاة دماغية للمصاب، وأن يؤكد على ضمانة الحقوق المدنية والدستورية للمصاب.
كل ذلك جيد، ويسرنا أن يظهر الأمن العام مرِناً إنسانياً، لا جائرا ولا متعنّتا ولا متغطرسا، لكن الأمن العام هو رمز سلطة القانون الذي لا تعلو عليه سلطة، وهو فوق الأطراف حتى حين يكون المخطئ رجلا من الأمن العام فهو يخضع للقانون والمساءلة والمحاسبة والعقاب.
لو افترضنا أن شرطيا أقدم أثناء عمله على التسبب في قتل مواطن فهل يعود ذوو الضحية على عشيرة الشرطي بالحقوق العشائرية؟ طبعا هذا يجب أن لا يحدث، وإلا قوّضنا أسس مفاهيم أساسية للدولة، لكن في حالتنا هذه يبدو وكأن الأمن العام أراد أن يفتدي بنفسه المسؤولية العشائرية فقدم نفسه كعشيرة الجاني المفترض، وهذا خطأ أيضا.
إن أكثر الدول انفتاحا وديمقراطية هي ايضا أشدّها صرامة في التمسك بالقانون وتطبيقه. نتعاطف بقوّة مع أهل المصاب، ونعبر لهم عن كل مشاعر التضامن، ونتوقع أن يتعامل الأمن العام بكل صرامة في هذه القضية المؤسفة التي بدأت بشجار أصحاب البسطات في جبل الحسين وتدخل موظفي الأمانة، وانتهت بوجود الشاب صادم السعود على سرير المستشفى في حالة خطرة جدا، وقد يكون السبب هراوات الأمن العام، وفق اتهام اهالي المصاب.
هذا شيء والانزلاق الى هذه الصيغة التي تضع الأمن العام كطرف أهلي أو عشيرة شيء آخر، ولا أعرف اذا كانت هناك سوابق من هذا النوع، وإذا كان الدرك مثلا قد أخذ عطوة من أهل المتوفى في حادثة عجلون عندما دهست آلية للدرك شابا بالخطأ، لكن لو كان قد حصل فنحن أمام ظاهرة غير معقولة تندرج في سياق تعميم وتعميق أعراف نحتاج إلى تجاوزها، وعلى الأقل حصرها في أضيق نطاق من أجل تفادي العنف وتفاقم الأمور، أمّا توسيعها فيضر بالمجتمع والدولة وهيبتها ومفهومها كسلطة عليا لتطبيق القانون فوق الأطراف.
من زاوية استراتيجية، فإنّ الدولة هي الملاذ، وهي الضمانة ضد تفتت المجتمعات، وتراجع هيبة الدولة وسلطتها ليس في مصلحة الشعب وكيانه الوطني.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد