حصل جدار برلين على رمزية استحقها، فهو كان أسخن مقطع تماس بين المعسكرين والتجسيد العياني لـ "الستار الحديدي" الذي تقبع خلفه شعوب المعسكر الشرقي. ولم يكن للغرب أن يحصل على مشهدية رمزية باهرة لنهاية الحرب الباردة بأكثر من مشاهد تهديم الجدار واندفاع الناس في تلك الليلة الفريدة قبل عشرين عاما عبر البوابات الى الشطر الغربي لتبدأ سلسلة من التداعيات التي انتهت بانهيار النظام الشرقي وتوحيد المانيا.
قبل سنوات، في أول زيارة لبرلين أصبت بخيبة امل شديدة عندما رأيت بعض المقاطع المتبقية من الجدار، فقد كنّا رسمنا له في عقولنا صورة مهيبة، وكان في الواقع شيئا تافها، ليس اسمك ولا اعلى من أي جدار بين غرفتين، واين منه جدار الفصل العنصري الاسرائيلي الذي تقشعر لمشهده الأبدان، وقال زميلي الألماني ان حجمه ليس القضية، بل وظيفته، انه رمز لعزل شعوب كاملة في سجن كبير.
وأول من أمس شهدت برلين احتفالات صاخبة بمشاركة زعماء غربيين في الذكرى العشرين لسقوط الجدار، ولم يفت معلقين كثر التذكير بالجدران القائمة اليوم في كل مكان، ليست جدرانا اسمنتية فقط بل جدران ثقافية واقتصادية ونفسية. لكن من المؤسف أن جدار الفصل الاسرائيلي لم يأخذ في العالم ما يكفي من الشهرة السيئة التي يستحقها فقد سوقته اسرائيل كجدار لحماية الاسرائيليين من الهجمات الارهابية، وكان يجب تحويله على المستوى الدولي إلى رمز كريه ومحتقر لسجن شعب وتعذيبه والتعسف في قمعه بفصل الناس عن بيوتهم ومزارعهم وأقاربهم، ليس بالدعاية والأقوال فقط، بل ببرنامج ثابت ومتجدد يوميا من الفعاليات الأهلية عند نقاط مختارة ومتغيرة من الجدار ترمز كل مرّة الى قضية معينة، إنه شكل المقاومة الذي يجب تسخير الجهود وتعبئة المواطنين خصوصا الشباب والفتيات من أجله على مدار العام والحصول على دعم متصل مادّي وإعلامي من أجله عربيا واسلاميا ودوليا.
بلعين هي، بالضبط، النموذج الذي ينبغي تعميمه على اوسع نطاق بالفعاليات الأسبوعية التي تتم ضدّ الجدار العازل، وبمناسبة مرور عشرين عاما على هدم جدار برلين قام نشطاء فلسطينيون بمعونة متضامنين غربيين بالفعالية المناسبة، وهي محاولة هدم قطعة من الجدار، وكم كان رائعا مشهد الطريقة المبتكرة والناجحة باستخدام جكات للإطاحة بأحد الألواح الاسمنتية في مشهد رمزي مؤثر لانتصار الأيدي العارية والإرادة الإنسانية على هذا الرمز الفاشي.
أيا كانت الخيارات السياسية فقاعدتها هي المقاومة الشعبية على طريقة بلعين ينخرط فيها الوف المواطنين على مدار العام.
وقد قال جلالة الملك، في مقابلته المهمّة مع صحيفة الحياة، إن المفاوضات يجب أن تذهب الى الحلّ النهائي فعليا، فقد يئس الناس من عملية سلام مفتوحة، بلا نتائج، بينما تُغير اسرائيل الوقائع على الأرض. وعلى الأرض يجب مواجهة الاحتلال يوميا وبعناد وبوسائل تدعم وتقوي الموقف السياسي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد