لا أعرف عدد الذين زاروه مهنئين، لكنني أتخيل ان كل مواطن كان يرغب في تهنئته والتعبير عن أصدق مشاعرالمودّة والتقدير. فقد لا يكون هناك مثل "طاهر المصري" شخصية سياسية تحظى بإجماع الأردنيين في زمن ينقسم فيه الناس على التعيينات وفقا لعصبية "المنابت والأصول" التي  تستثمر فيها أوساط من النخبة.
ولا يكاد يسعفنا نموذج لشخصية عامّة كسرت هذا الاستقطاب وحققت إجماعا من الثقة فوق هذا المعيار، مثل أبي نشأت، والأكيد أن القبول ومشاعر الارتياح والرضا بتعيينه رئيسا لمجلس الأعيان كانت عابرة لكل التلاوين أفقيا وعموديا.
طاهر المصري يلقى ارتياحا وقبولا من الموالاة والمعارضة، الأغنياء والفقراء، اليسار واليمين، ليس لأنه يمسك العصا من الوسط، ويداهن الكل، بل لأنه واضح ومحترم، لا تلاعب ولا انتهازية ولا أجندات خاصّة على حساب وطنه الأردن، ولا مصالح شخصية وفئوية على حساب الفئات الشعبية.
هويته السياسية الفكرية واضحة. إنه ديمقراطي وليبرالي حقيقي، وفي نفس الوقت وطني ورجل دولة حريص، وقد أثبت كل ما سبق في كل الأوقات والمواقع، ولذلك ترتبط معه بصداقة طيبة الفاعليات من كل التلاوين والأوساط السياسية والاجتماعية.
ولم يتحقق هذا الاجماع من الثقة فجأة، بل تراكم على مدار سنوات طويلة. شكّل أكثر الحكومات تقدمية العام 1991، وعانى من حملات ظالمة ومن مواقع متناقضة؛ يساريون وقوميون وإسلاميون ومحافظون تآلفوا لإسقاط حكومته، ففضّل الاستقالة على حلّ البرلمان، ولعلّ معظم هؤلاء ندموا كثيرا بعد سنوات، وقد سمعت ذلك من بعضهم شخصيا. وتجاوز أبو نشأت تلك المرارات وأظهر ثباتا وإخلاصا وطنيا وديمقراطيا وشعبيا في كل المواقف والسياسات اللاحقة.
أبو عبدالله
لا أعرف عدد الذين ذهبوا معزين بالشاب عبدالله أبو طويلة، الأول على صفّه في السنة الخامسة بتخصص الطب وحامل ذهبية التايكواندو، لكنني أعرف ان كل أردني أراد ان يحتضن والده وكل أردنية ارادت ان تحتضن أمه، وأن خليطا من مشاعر الفجيعة والفخر والتضامن أحاطت بهذه العائلة الرائعة التي سوف يسجل باسمها تاريخ جديد من ثقافة البذل من أجل الآخرين، بعد الدرس الرائع في الانتماء والعطاء والمواطنة، اذ لم تمنع فجيعة الوالد في ابنه البكر من اتخاذ القرار القدوة بالتبرع بأعضاء فلذة كبده الى من يحتاجونها. 
التبرع بالأعضاء ليس دارجا في مجتمعنا، وهناك شكوى من قلّة المتبرعين على ما يمكن ان يحققه التبرع من فرصة لإنقاذ حياة الآخرين.
وقد فوجئنا ان هذا الشاب المميز كان قد وضع وصية وهو في مقتبل العمر بالتبرع باعضائه نفذها والده على الفور بالتبرع بالكبد والكلى والقرنيات التي انقذت حياة مرضى وأعادت البصر لآخرين.
ما حصل بعد ذلك على الفور أن آلافا سجلوا للتبرع بأعضائهم بعد الوفاة، وسوف تبقى قصّة هذا الشاب نموذجا وقدوة تحرك الناس في مجتمعنا بأكثر مما استطاعت كل الحملات الإعلامية فيما مضى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جميل النمري  صحافة  جريدة الغد