سيلاحظ المواطنون أولا بأول أن الصور الضخمة لجلالة الملك على نواصي الشوارع والمؤسسات والمحلات تختفي شيئا فشيئا، وأصحاب المحلات والمصالح الذين يضعون يافطة إعلانية ضخمة بلا رسوم للبلدية، ولا أحد يجرؤ على خلعها لأنها "محمية" بصورة جلالته لن تعود محمية وعلى من يفكر بهذه الحيلة الإقلاع عنها بعد الآن. حتّى أصحاب السيارات الذين يغطون نصف الزجاج الخلفي بهذه الصور سيجدون من يقول لهم إنّ ما تفعلونه مقدّر كثيرا لكن لو تنقلون هذه الصورة الى جدار داخل بيوتكم يكون أفضل.
ليس الهدف "قمع" تعبير الناس عن حبهم وولائهم لمليكهم، لكن هذه الأساليب ليست أفضل ما يمكن التعبير به عن الحبّ والولاء والانتماء الحقيقي، وكما يقال ما يزيد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه.
وأيا تكن النوايا الطيبة، فالأمر ليس حضاريا ولا مفيدا. وذات مرّة كتبت منتقدا مشروع مجموعة لدخول موسوعة جينيس بكتابة أطول يافطة ولاء من 3 كيلومترات، فتلقيت تعقيبا مؤيدا من الديوان الملكي يقول إن جلالة الملك يرغب أن يرى مشاعر الولاء والانتماء تترجم بالعمل والإنجاز ويسعده أن ننافس على السبق في العلم والإبداع والإنتاج.
ليست هذه هي المرّة الأولى التي تصدر فيها توجيهات من هذا النوع، لكن يبدو أن العقلية القديمة تعود كل مرّة إلى التسلل وتوسيع مساحتها وفرض نفسها ما يتطلب، كلّ مرّة تجديد الوجهة وتوضيح الرؤية، وتنقية المشهد. هذا ليس مستغربا ففي الأداء العام كله طالما بدأنا بتوجيهات واضحة ورؤية محددة للتقدم، فنبدأ بحماسة، ثم تتراخى الهمم مع الوقت، ويتعثر الأداء ويتباطأ الإصلاح، وتنجح قوى الشدّ العكسي في إعادتنا إلى الوراء، ومقاومة التغيير موجودة في الثقافة والطباع والسلوك العام، وليس بالضرورة أن تمثلها شخصيات أو جماعات متخندقة في مواقع محددة، والإصلاح السياسي أبرز نموذج على حركة الدوران هذه التي تنتهي بنا في المكان نفسه.
ولعل بعضهم سيجد في نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة ما يستقوي به، إذ إن أقلية قليلة من المواطنين وضعت الإصلاح السياسي كأولوية! لقد وضع الملك الإصلاح السياسي بين أبرز الأولويات في كتاب التكليف السامي. ولو أجري استطلاع في اي بلد حول أولويات المواطنين ستكون نفسها، المعيشة والأسعار والعمل والبطالة والصحة.
لا أقول إن الإصلاح السياسي شأن النخبة، فهو متطلب غير مباشر يتصل بكل أولويات المواطنين، لكن المعنيين ببحث وسائل وسبل التقدم يتعرفون على مكانته ودوره في عملية الإصلاح الشاملة، ولذلك ورد في كتاب التكليف أنّ الإصلاح السياسي هو شرط للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد