آخر القرارات الحكومية بشأن مكافحة الفساد تشكيل لجنة ثلاثية من هيئة مكافحة الفساد وديوان المحاسبة وديوان المظالم، وهي خطوة جيدة ستكون ذات أهميّة وجدوى إذا تمّ وضع آلية عمل فعّالة لها.
وبحسب المعلومات كان تدقيق موظفي ديوان المحاسبة كَشَفَ منذ أشهر عن الخلل المتصل بالاختلاسات في مشروع الحاكورة في وزارة الزراعة. لكن الملاحظات لم تصل أبدا الى الوزير ويبدو أن الأمر ببساطة ذهب عبر القنوات الروتينية حيث ملاحظات المدققين تقبع بانتظار التقرير العام الذي يرفعه الديوان للحكومة ولمجلس النواب، وقد يكون هذا من أسباب التفكير بتشكيل اللجنة الثلاثية التي يفترض أن تتابع أولا بأول كل خلل يثير شبهات، وننتظر من نتائج التحقيق أن توضح ما هي الفجوات في أنظمة المحاسبة والتدقيق التي أتاحت وقوع الاختلاسات واستمرارها كل هذا الوقت، وهناك ورشة عمل كبرى لاعادة تنظيم عمليات الرقابة والتدقيق والمتابعة في كل الدوائر والمؤسسات.
ويتوجب القول إن الاختلاس ليس هو بالضبط المقصود بالفساد، وعلى أهمية تقوية وتحسين أنظمة الرقابة والتدقيق، الفساد المقصود هو استغلال المناصب والنفوذ لتوجيه القرار لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية على حساب المصلحة العامّة.
الكارثة على التنمية في العالم الثالث تعود إلى هذا الفساد، حيث ترتفع كلفة المشاريع والعطاءات لأضعاف كلفتها الحقيقية بفعل التواطؤ وهدر مساعدات وقروض التطوير في مجالات، مثل المياه والصحّة والتعليم عبر قنوات التنفيع من دون مردود وعمل حقيقي.
أمّا الفساد في عمليات الخصخصة، فهو يضيع البلايين على الدول مقابل تنفيع النافذين بالملايين أكانت على شكل رشوة مباشرة او شراكات خفية.
في زمن المظاهر غير المريحة في الأردن تنقل الوزراء بين مناصبهم ومؤسسات في القطاع الخاص في الميدان نفسه الذي كانوا مسؤولين عنه، وقد أحسن رئيس الوزراء بأن أبعد دبي كابيتال عن كل المشاريع الحكومية المقبلة، والصحيح أن يحدث العكس أيضا فليس مريحا أن ينتقل وزير أشرف على خصخصة قطاع معين إلى قيادة الشركات نفسها التي انتقلت اليها الأعمال التي تمّت خصخصتها.
ينبغي القول إن المسألة ليست حكومية فقط، ويمكن بكل أسف ملاحظة أن الفساد يعشش في كل المجالات، ويتوجب بناء حملة دائمة لإعلاء قيم الاستقامة والشفافية في الحياة العامّة، من القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية وغيرالحكومية والتمويل الأجنبي لما يطلق عليه منظمات المجتمع المدني، وهي ظاهرة محزنة للغاية إذ تصبح الأنشطة "التطوعية" للتنمية والمشاركة غطاء ظاهريا فقط للتنفيع ومدرسة للفساد الصغير.
الحكم النظيف قفز بقصد أو من دون قصد إلى صدارة برنامج الإصلاح، وعلى الحكومة أن تمضي بالشوط إلى نهايته، والانتباه إزاء انطباع هنا وهناك بأن الأمر يقتصر على تصفية حسابات وفتح ملفات لبناء شعبية على حساب حكومات سابقة، وما يبدد مثل هذا الانطباع الاستمرار في برنامج شامل وممنهج على كل المستويات لاعتماد المعايير الأكثر تقدما في مجال الشفافية ومكافحة الفساد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جميل النمري صحافة جريدة الغد