يعلم كل من يتابع الأحداث المؤسفة في مصر، أن المسألة لا تتعلق أبدا باتهام مرسي بأنه يريد أن يكون ديكتاتورا أو فرعونا جديدا، فقد سبق أن أصدر المجلس العسكري إعلانا دستوريا أكثر سوءا من إعلان مرسي، ولكن لم تتكالب الجموع عليه كما تكالبت على مرسي

الانقضاض على ثورة مصر الآن، هو انقضاض على خطوة، جمعت العلمانيين وبقايا الفلول، والخصوم السياسيين، وأعداء الثورة السريين، فضلا عن رموز الدولة العميقة، سعيا لإنهاء حكم الإخوان لمصر.

مبارك من قبل استفرد بالسلطة لمدة اثنين وثلاثين عاما، وعبد الناصر لمدة 14 عاما، والسادات بينهما بمتوسط حسابي، ومع ذلك، لم يتحالف على أي أحد منهم كل هؤلاء

ثمة فرح واستبشار في إسرائيل، وغير عاصمة عربية، بما يجري في مصر الآن، أملا بإجهاض الربيع، وتداعياته، فهل ينجح مرسي في الخروج من هذا المأزق، وقبل هذا وبعده نسأل: هل أخطأ مرسي بمواجهته المبكرة لإجهاض محاولة فاحت رائحتها، تستهدف عزل مرسي بقرار قضائي، كما عزلت جماعته من مجلس الشعب؟، وهل كان ثمة طريق آخر أقل حدة، يلتف على هذه المؤامرة؟

ثمة غبار كثيف يحجب الرؤية الآن، ولكن يبدو أن مرسي الذي بدا أنه ضعيف، ومتردد، وبطيء في اتخاذ قراراته، مارس قدرا من القوة «المفرطة» أكثر مما هو محتمل، مستعجلا اقتلاع الدولة العميقة من جذورها، ولعل أسوأ ما في إعلانه الدستوري، انه جمع جميع خصومه في جبهة واحدة متحدة، الأمر الذي أوصل البلاد إلى حافة الخطر، ولعل مؤشرات انهيار البورصة، واحدة من أهم الأضواء الحمراء التي تدفع أي زعيم لمراجعة قراراته، ولا نقول العودة عنها بالكامل، وبالإمكان هنا اتخاذ جملة من الخيارات، يمكن أن تخفف من آثار الإعلان الدستوري، ربما بإعلان دستوري معدل أو مكمل آخر، أو مذكرات توضيحية، ينئي عن صاحبه فرية التفرعن، والتحصين، بخاصة أنه ضمن الآن إجهاض مؤامرة بعض الدوائر القضائية الانقضاض عليه وعزله، بعد افتضاح الأمر، كما أنه سيسجل موقفا نبيلا يحسب له، فيما لو تراجع خطوة للخلف، من أجل عشر للأمام

مرسي تعجل الأمر، وربما أساء مستشاروه التقدير، ففي أي مواجهة مع الخصوم، يجب شق صفهم، لا تجميعهم، وهنا تحديدا كان مقتل موقف مرسي، وثمة أمل كبير في أن يستعيد الرجل زمام المبادرة، والسيطرة على الشارع، بعد أن سجل انتصارا لافتا في الساحة الدولية، حين تمكن من إيقاف العدوان على غزة، وبدا كرجل سياسي محنك، وبراغماتي، وعملي، أكثر مما أمل الكثيرون منه، بخاصة ألد أعدائه، أعني إسرائيل

مسألة أخيرة تحيك في الصدر، فقد كشفت المواجهة الأخيرة أن خصوم مرسي من المرشحين الفاشلين للرئاسة، اثبتوا أنهم انتهازيون على خلفيات ليست وطنية، بل بدا أنهم مدفوعون بالرغبة من الثأر الشخصي، أكثر من الحرص على مصلحة وطن يبني مؤسساته، قد نعذر الفلول ورموز الدولة العميقة في عدائهم الشديد لمرسي، ولكن أنى لنا أن نجد مسوغا لهذه الهبة العرمرمية للبرادعي وعمرو موسى وصباحي وخالد علي؟ وأين كانوا أيام استفراد المجلس العسكري بفرعونيته البغيضة؟


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية