للعولمة وجوه عدة، ولا يعبر دافوس أو منظمة التجارة العالمية أو الشركات المتعددة الجنسية عن وجهها الوحيد، ولكن هناك منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة، وكثير من منظمات الأمم المتحدة المعنية بالتنمية البشرية، وهناك أيضاً وهو الأهم شبكة من المنظمات والحركات الاجتماعية العالمية التي نجحت في توظيف العولمة لأجل مصلحة المجتمعات والفقراء ومكافحة الأمية والمرض والفساد والتمييز والظلم ولنشر الحريات والديمقراطية والتعليم.
وربما يمكن القول اليوم بقدر من الاطمئنان إن المنهج الإصلاحي في العولمة هو الذي يتغلب على منهج توظيفها لصالح الأغنياء والرأسمالية العالمية إن لم يكن يواجهه بقوة وتأثير، وبخاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي جعلت العولمة الرأسمالية في مواجهة نفسها، وبدأت تقر بالفعل بضرورة المشاركة في المسؤولية الاجتماعية والمشاركة مع المجتمعات وتمكينها، والمشاركة في مكافحة الفساد والرشوة والتحالفات السياسية المشبوهة بالمنافع المادية والتجارية، كما أن الحكومات والتيارات السياسية التي كانت متحمسة للخصخصة بلا حدود أو قيود أصبحت تتبنى سياسات اجتماعية اقتصادية جديدة قائمة على العدالة الاجتماعية، والمشاركة مع المجتمعات والقطاع الخاص.
في الثمانينيات والتسعينيات حققت الليبرالية انتصاراً حين شهدت الحركات النقابية تراجعاً في أميركا وأوروبا الغربية واليابان، فقد وقعت في هذه الفترة أزمة للتنظيمات العمالية، وشهدت بداية التسعينيات اختفاء الاتحاد السوفيتي وأنظمة الكتلة الشرقية حين كانت هناك فرصة لعملية إعادة تنظيم العالم خاصة عند انهيار حائط برلين ووقوع حرب الخليج.
ولكن الحركات الاجتماعية استطاعت أن تلم شمل نفسها والمساهمة وتواجه مؤسسات دولية كبرى على غرار منظمة التجارة العالمية، وامتلكت وزناً كافياً للتأثير على مجرى الأحداث في ظرف عالمي يتحد للسماح لظهور مجادلات سياسية كبرى في ثلاثة أقطاب: قطب راديكالي أممي معارض تحت غطاء الواقعية لتمرير الحركات تحت سلطة تلك المؤسسة، وقطب قومي يرى أن إطار الدول القومية هو الطريق الوحيد الممكن لضمان المكتسبات الاجتماعية، وقطب إصلاحي والأولوية التي يدافع عنها هي الإصلاح الشامل للمؤسسات الدولية.
ومن خصائص هذه المجموعات والحركات أنها تبتعد عن عالم الأحزاب السياسية التي تطمح إلى الإدارة الحكومية.
التوجه المعروف باسم "توافق واشنطن" مطبق على العالم أجمع لتحديد العجز في الميزانية، وإعطاء الأولوية لخلق البنى التحتية مثل الصحة والتعليم وتشجيع الاستثمار الأجنبي وخصخصة الشركات التي تمتلكها الدولة والالتزام بالقواعد التي يفرضها صندوق النقد الدولي لدى إقامة التكيف الهيكلي، ومن سمات هذه الحقبة أن أصبح "توافق واشنطن" محل جدل وانتقاد عشرات الملايين من المتظاهرين في البلدان التي كانت ضحايا خطط التكيف الهيكلي.
وهو ما جعل جوزيف سيغليتر الذي نال جائزة نوبل للاقتصاد في كتابه "الخدعة الكبرى" يدعو إلى تحجيم مهام صندوق النقد الدولي وإلغاء ديون الدول الفقيرة، وإصلاح المؤسسات الدولية.
لحسن الحظ لم يعد هذا الحديث اليوم خارج السياق أو عكس التيار، ولكنه يمثل شبه إجماع توافق عليه الرأسمالية نفسها، وتعترف بأنها أخطأت، وبقى أن نعترف نحن أيضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد