لا شكّ أنها بشرى عظيمة للأطباء الاتفاق الذي أنجزه وزير الصحّة مع الأشقاء في السعودية، حيث سيقوم أطباء اردنيون بالتناوب على مدار العام بتغطية مستشفيات وعيادات شمال المملكة العربية السعودية، وذلك بمعدّل شهرين لكل طبيب وبرواتب ممتازة تعادل من 5 الى عشر اضعاف الرواتب هنا.
الفكرة رائدة وعظيمة حقا، وبحسب ما قرأنا تحتاج المملكة السعودية في الفترة القادمة إلى ألوف الأطباء العامّين، ومن مختلف الاختصاصات، بما في ذلك المئات من اختصاصي طب الأسرة، والطبيب لن يجد نفسه في وضع تراجيدي بين إهمال فرصة تحسين دخله أو قطع مسيرته الوظيفية وترك بلده لسنوات تقلب حياة الأسرة رأسا على عقب.
المردود الاقتصادي العام ممتاز، ويوفر دخلا إضافيا للبلد وللناس من العمل في الخارج من دون نزيف نهائي في الكفاءات ومن دون اغتراب فعلي. لكن يبقى السؤال حول حجم تأثير هذه العملية على خدمات وزارة الصحّة، فأطباء الصحّة وفي الوضع الحالي يعانون من ضغوط المراجعين والعدد من الأطباء العامّين والاختصاصيين اقلّ بكثير من حجم المسؤوليات التي تضطلع بها وزارة الصحّة ومستشفياتها، ويمكن أن نفكر ان مئات الأطباء العامّين والاختصاصيين سيتواجدون، ولو بالتدوير خارج عملهم، ألن يؤثر ذلك على المتوفر هنا من أطباء عامّين واختصاصيين، ونحن نعرف أن العدد محدود جداً في بعض الاختصاصات؟
نؤيد المشروع، لكن نريد من الصحّة أن تضمن أيضا عدم تأثر الخدمة الصحّية عندنا! وبحسب علمنا من سنوات مضت تعاني الوزارة من تراجع اقبال الأطباء على الوظيفة الحكومية مثلما نعاني من نزيف الكفاءات، وتواضع بناء كفاءات جديدة.
ها قد جاءت المناسبة لنقول شيئا يحزّ في النفس عن تعامل الوزارة مع الكفاءات القديمة. اختصاصيون كبار يشار لهم بالبنان تضيعهم الوزارة من دون ان يرمش لأحد جفن، ويمكن ان يبقوا بموقع أستاذية محترم لإعطاء علمهم وخبرتهم لأجيال جديدة من الأطباء.
هؤلاء ليسوا خيولا عتيقة شاخت ويجب على الطريقة الإنكليزية إطلاق رصاصة الرحمة عليها. فما دام عقلهم سليما وقادرين على الحركة يجب قدر الإمكان الاحتفاظ بهم ويمكن إحالتهم الى التقاعد واستعادتهم بعقد ما داموا قادرين على العطاء وعلى التعليم.
لا أجد ضيرا من ذكر مثال بالاسم لأن كل من في وزارة الصحّة يعرف عمّن اتحدث وأن كلامي منزه عن كل غرض؛ د.منيب ايوب، مثلاً ناسك علم وخدمة، كان لسنين طويلة رئيس قسم الباطنية في مستشفى البشير، ومرّت من تحت يده أجيال وأجيال من طلبة الاختصاص. أحيل إلى التقاعد وهو لا يقبل العمل في القطاع الخاص، وكما يعرف كل اصدقائه لا يقبل ولا يتخيل تقاضي أجر عن عمله الطبّي.
كيف نتخلى عن هذه الطاقات؟ لما لا نحتفظ بهؤلاء ليس في اي منصب إداري، بل أساتذة طب يخدمون الناس ويعلمون طلبتهم، فلا يذهب علمهم هدرا في وقت نشكو فيه من قلّة ونزف الكفاءات.
ملاحظة الى وزير التعليم العالي: يقول خريجون أطباء أن التعليم العالي قرر السماح لأصحاب معدّل مقبول بإكمال دراسة الماجستير، ولا ينطبق ذلك على إكمال أطباء لدراسة التخصص! لماذا حرمان هؤلاء من فرصة استكمال علمهم مثل بقية الخريجين؟ أليس الأمر واحدا في الجوهر؟ ثم ان هناك فحص قبول للتخصص فلنترك لهذا الفحص ان يقرر!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة