كثافة الإعلانات المنشورة لترويج رحلات سياحية إلى الخارج تؤشر بالتأكيد على حجم الإقبال على هذا القطاع من السياحة، وبالطبع فإنه سيكون من غير المجدي الحديث عن النهوض بالسياحة الداخلية، أو محاولة إدراجها في قطاع العمل الوطني، ولكن السؤال عن اتجاهات الاستهلاك والإنفاق وأولوياتهما لدينا في الأردن؛ فهل يوجد في الأردن هذا العدد الكبير من القادرين على السياحة إلى تركيا وأوروبا وشرق آسيا؟ هل يتفق هذا الإقبال الكبير على السياحة الخارجية والداخلية أيضا مع الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تطاول كل قطاعات المجتمع؟ لا يمكن بالطبع التقليل من أهمية الترويح والتحايل على ضغوط العمل والحياة والاستجابة للتطلعات للسفر والسياحة، ولكن هل يمكن أن ننشئ أساليب في الحياة للترويح والاستمتاع غير الرحلات السياحية الخارجية والداخلية، وغير عمليات الاحتلال للأرصفة والساحات والحدائق وإشغالها بالطعام والأراجيل؟
من المؤكد أن السياحة ليست هي الخيار الوحيد للاستمتاع بالسياحة وتمضية الإجازات، ويبدو لي أن الحل هو في تغيير أسلوب حياتنا، وابتداع وسائل ومصادر ممكنة ومتاحة للاسترخاء والاستمتاع، بل وفي إعادة السؤال على أنفسنا عن معنى الاستمتاع بالحياة وممكناته، وهل هو فقط في السياحة والرحلات، وفي الطعام والشراب؟ هل الخروج إلى طريق المطار أو شارع الأردن هو استمتاع حقيقي ومجد؟ وهل يرتبط الخروج إلى الأماكن والساحات بالشواء ونقل القدور والأواني والفرش والحصر إلى الخلاء؟ أظن أنها معاناة أكثر من الاستمتاع أن نمضي يومنا في التحضير والنقل ثم نتجمع بطريقة بدائية تفتقر إلى الخصوصية ونلوث المكان والبيئة لنحصل على وجبة طعام يمكن أن نجد في البيت أو في المطاعم أفضل منها وأكثر راحة ومتعة، وينطبق الأمر على كثير من الرحلات الخارجية والداخلية.
لا أملك إجابة وليس من المناسب أن أقترح خيارات وإجابات، فالناس تنشئ أساليب حياتها وراحتها وفق وعيها لاحتياجاتها وتطلعاتها، ولكن الأمر يستحق السؤال والمراجعة عن موضع ومعنى الاستمتاع في التجوال في المولات وفي رحلات لا يبدو لها هدف سوى تناول وجبة طعام يمكن الحصول على أفضل منها في البيت.
هناك وسائل وخيارات لا حدود لها للاستمتاع والتسلية والترفيه وضمن إمكانيات جميع المواطنين، في الهوايات التي لا حصر لها ولا حدود ويمكن تطويرها وتنميتها ضمن قدرات جميع الناس، بل ويمكن تحويلها أيضا إلى مصدر إضافي للدخل، وفي جميع الأحوال فإنها مدخل للثراء الروحي والفكري والشعور بالرضا والاستمتاع، وهما في المحصلة ما يسعى إليه الإنسان، والهدف الذي نعول عليه في حياتنا.
الموسيقى والفنون والآداب تشكل عالما واسعا لممارسة الحياة، وهي خيار عريق وممتد وواسع في حياة الشعوب والمدن، بل إنها كانت التشكل الأكثر حضورا وعمقا حول المدن والموارد وأساليب الحياة، وكانت وماتزال أهم أداة لتحسين حياة الناس وتطوير مواردهم والأكثر أهمية في تفعيل الفرص والموارد لأجل حياة أفضل.
المشكلة ليست في التكاليف ولا في السياحة الداخلية ولا في الأزمة الاقتصادية، ولكنها في قدرتنا على التمييز بين الحسن والقبيح في الأفكار والأعمال والأشياء أيضا، وسأغامر بالقول إننا نعاني من أزمة "خواء" لن تحل حتى لو انتهت الأزمة الاقتصادية وتحسنت السياحة الداخلية، وحلت نهائيا مشكلات الصحة والتعليم والتنمية السياسية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد