التمييز بين العبث والجدوى، والضرر والمنفعة، يشكل جوهر الفقه والحقيقة والخيال هو اليوم مليء بالشك والخوف 
في المراحل الأولى من حياة الإنسان كان المورد الأساسي هو الخبرات والأفكار والمعلومات التي تساعد على البقاء والصيد وجمع الثمار والطعام، وفي مرحلة الرعي كان المال والثروة يعني الإبل والغنم والبقر، وفي مرحلة الزراعة كانت الثروة تقاس بالزرع والأرض والشجر، وفي مرحلة التجارة كانت الثروة تقاس بالذهب والفضة، ثم صارت الثروة أوراقا مالية او مستندات، وهي اليوم بطاقة بلاستيكية تعبر عن ثرواتنا وتنظمها وتديرها، ويقال في عصر المعرفة اليوم إن الثروة هي المعرفة والخبرات والمهارات، فهل عاد الإنسان إلى مراحله الأولى والبدائية على الأقل في معنى الثروة والموارد.
يقول البدوي الصغير لأبيه يابوي: "الفلاحين يزرعون قمح ويحصدون قمح، وليش قلة العقل"؟ فيجيبه أبوه الخبير: "يا ولدي، تبنات للجحوش ولوصة عن وجه الضيف".
وهي قصة تشبه مقولة الشاعر الجاهلي صاحب إحدى المعلقات:
لسنا كمن جعلت إياد دارها   تكريت تنظر حبها ليحصدا
كيف نميز بين الحقيقة والوهم، الثروة التي تنمو اليوم وتضيع بالتريليونات، ماهي؟ أليست سوى نبضات إلكترونية وإشارات بالأحمر والأخضر للأسهم الصاعدة والمنخفضة، فتتضاعف الثروة أو تنهار الشركات!
ولكن الأمر يتعدى ذلك بكثير، فالنقود لا تتحول فقط إلى مجرد سيل من الإلكترونات والفوتونات، فالكلمات والأصوات والصور في تحولها واستعادتها عبر الشبكة تجعلنا نعتقد أن الأشياء في حقيقتها تتكون من هذه الرموز والإشارات، كأننا في استعادتنا لهذا السديم في حياتنا وثروتنا وأفكارنا وأعمالنا نستعيد تشكل الكون والحياة نفسها من السديم، ألم يكن الكون سديما ودخانا؟ أليست الحياة والمجرات الهائلة والتاريخ كله سوى تجمع فوضوي من الغبار والضوء والزمن؟ وكأن الشيء يتساوى جوهريا في حالة وجوده وعدمه، كأن الأفكار والمعتقدات والتصورات والفلسفات في حقيقتها محاولة يحوطها الشك في التمييز بين وجود الشيء وعدمه، فما نراه في الحقيقة ليس سوى الضوء المنعكس عن الشيء وليس الشيء ذاته، أي أننا لا نعرف الشيء ذاته ولم نره في الحقيقة ولا تتعدى معرفتنا سوى الضوء، شلال من الفوتونات المتناهية في الصغر حد التلاشي تدلنا على الحياة والأشياء، والثروة، والأفكار والصوت، فما الوجود والعدم؟ وما الحقيقة وما المفترض؟ وما الفقر والغنى؟
الحياة والطاقة والحقائق ببساطة هي ذلك النظام من الأشياء التي نعتبرها افتراضية، فالحقيقة هي ما يبدو افتراضيا، أي هي الشك، فالكون تشكل من تجمع هذه الجسيمات المتناهية الدقة، وفي حلول الضوء في النبات (التمثيل الكلوروفيلي) تتشكل الدورة الأولى للغذاء والدواء والحياة أيضا، وهذه الثروات المتشكلة عبر أرقام وإشارات غير ملموسة هي تعبير عن حقيقة أن الفضاء بإلكتروناته وغباره هو منجم الثروة، وفي توليف هذه الرموز والجسيمات الدقيقة تشكلت الأصوات والصور والمعلومات والمعارف والثروات، والذهب أيضا موجود في هذا الفضاء ولكنه على هيئة وحدات من المكونات لا تصلح الآن سوى خاتم خطوبة لزوج من البكتيريا، ولكن ربما يكون ممكنا استخراج الذهب من الفضاء المحيط بدلا من باطن الأرض بتجميع هذه الجسيمات وتشكيلها، تماما كما جعلنا منها أصواتا وصورا ومعلومات تقود العالم والتقنيات بشرائح من الضوء والغبار، ما هي شرائح السيليكون التي تختزن رموزا تقود الطائرات والأقمار الصناعية والاتصالات والمصانع والشبكات وتلاعبنا الشطرنج، وتفعل كل شيء تقريبا، أليست سوى تجمع من الضوء والغبار؟
لقد كان الشاعر البدوي يرى الزراعة من الغباء والوهم، ويهجو "الفلاحين" أولئك الذين يلقون الحبوب في الأرض، ثم يمضون حياتهم ينتظرون حصادها ببلاهة أو بمكر متستر بالغباء لأجل التهرب من الضيوف!
التمييز بين العبث والجدوى، والضرر والمنفعة، والضرر الأكبر والأصغر، والمنفعة الكبرى والصغرى كلها تشكل جوهر الفقه والحقيقة والخيال، وإذا كان الأمر بسيطا وواضحا للشاعر البدوي في تمييزه بين الزراعة والرعي، فهو اليوم مليء بالشك واللبس والمغامرة والخوف

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد