نغلف الأرض بشبكة عنكبوتية تجعلها مثل غرفة مكتب. ونملأ الفضاء بأزيز الطائرات، والأرض بدبيب المحركات، ونقلب تضاريس الطبيعة، فنحول مجرى أنهار، ونجفف بحيرات، ونردم البحر لإقامة جزر صناعية. نستنزف باطن الأرض حتى آخر قطرة في جوفها من نفط وماء، ثم نلقي جبالا من القمامة غير المتحللة على ظهرها. نغيّر النواميس في أعمق معجزاتها حميمية، أي الجينات الوراثية فنتلاعب بها، ونستنسخ كائناتها، ونتحدّى الطبيعة في طقوسها فنستمطر غيومها في غير مكانها، ونثمّر غلالها في غير أوانها. وقهرنا الزمان والمكان، فمن وراء شاشة صغيرة وأزرار ندير كل شيء على الكرة الصغيرة.
ثم فجأة نكتشف هشاشة كل ما صنعنا، وبدل حقائق راسخة ونهائية، ينهار كل شيء مثل هرم من ورق اللعب، إذا حمحم بركان وقذف غضبا من جوفه. البركان الذي لم يعد أكثر من معلومة فولكلورية لأطفال المدارس الابتدائية، ظهر بالفعل وقذف سحابة رماد قطعت أوروبا وشلّت طيران نصف العالم. ديناصوراتنا الطائرة ربضت على الأرض مثل خردة بانتظار أن يصفوَ لها الجو، والخسائرلا تحتمل، 200 مليون دولار يوميا، ولا أحد يدري متى الانفراج، فقد يستمر نشاط البركان عاما!
البراكين في العادة تجتاح قرى قريبة، فتقتل وتهجّر سكانها. وهي أغرقت بالحمم والرماد مدينة بومباي الرومانية كاملة، حتى إذا أعيد اكتشافها وجدوا تفاصيل الحياة اليومية لبيوتها، كأنها تجمدت فجأة في الأمس؛ لكن تلك ذكريات من التاريخ. أمّا في عصرنا فلم يسبق لبركان أن أثّر بهذه الطريقة على مواصلات قارّة لمجرد أن الريح حملت الغيوم البركانية شرقا، وليست البراكين فقط بل كل قوى الطبيعة الأخرى التي تستعرض نفسها من حين لآخر، يمكن ان تهدد بصورة ماحقة الحياة الحديثة.
الطبيعة ما تزال ويبدو أنها ستبقى أقوى. ماذا عن نيزك بحجم كبير، على غرار ذاك الذي ضرب الأرض قبل 60 مليون عام وأباد الديناصورات؟ أو الآخر قبل 250 مليون عام، أو سابقه قبل 360 مليون عام. فحسب الخبراء، كل واحد من هذه النيازك التي يصل قطرها لبضعة كيلومترات كانت تغير وجه الطبيعة وتبيد نسبة كبيرة من الكائنات وتفسح المجال لأخرى جديدة، ما الذي يمنع أن يتكرر الأمر؟ حسب تقديرات العلماء فان النيزك الذي ضرب منطقة قرب خليج المكسيك قبل 60 مليون عام ترك حفرة باتساع 200 كيلومتر، وأثار سحابة من الغبار الشبيه بالغبار البركاني، غطّت معظم الكرة الأرضية وغيّرت المناخ وقضت على ثلاثة أرباع الأنواع الحيّة الموجودة على الكرة الأرضية ومنها الديناصورات.
كلما تطورت الحضارة، أصبحت في الواقع أكثر هشاشة باعتمادها الكامل على التكنولوجيا الدقيقة القابلة للعطب بكل يسر. علينا أن نتواضع ونصدق هشاشتنا إزاء قوى الطبيعة، وقد لا يترتب على هذا الاستنتاج شيء!؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة