يذكر كتاب "من أوائل القرن العشرين" القصة التالية: أرسل مصور صحافي في تركيا إلى صحيفة لندنية صورة بيت تركي بناء على طلب الصحيفة، وكان البيت البرجوازي يبدو في مظهره وأثاثه مثل البيوت الغربية، فأعيدت الصورة إلى صاحبها مع التعليق التالي "الجمهور البريطاني لن يقبل هذه الصورة لحريم تركي".
فالبيت التركي كما في الرسوم والكتابات الغربية قائم على بِركة في داخل البيت مع عدد كبير من النساء العاريات المتكئات على الوسائد وهن يدخن النارجيلات، وهذا المشهد هو الذي ينسجم مع آمال الجمهور البريطاني، وليس صور قطع الأثاث الأوروبي الممل، تبدو عبارة الناشر البريطاني صريحة إلى درجة الصدمة، لكنها مفيدة في فهم التصور المسبق للقراء والحرص على إرضائهم أكثر من إعلامهم بحقيقة ما يجري.
إلى هنا، والقصة تبدو برغم صدمتها مألوفة، ولكن الأكثر فظاعة هو أن يفرض على الآخر أن ينتج نفسه ويعي ذاته وفق صورة تعد له مسبقا وإن كانت غير متفقة مع واقع الحال. ويبدو لي أن هذا الجزء من المأساة برغم كثرة الأدلة والشواهد عليه لم يحظ بمعالجة ودراسة بخلاف قضية "الاستشراق" بمعنى تخيله، ولكن صنعه أو دفعه إلى أن يصنع نفسه وفق مسار يحدد له ثم فرضه علينا لنرى أنفسنا وفق هذا النموذج وليس وفق ما نرى انفسنا بالفعل.
جرائم الشرف على سبيل المثال (والحديث ليس هنا لتبريرها ولا الدفاع عنها) أصبحت في المخيال المحلي والعالمي أيضا ظاهرة خاصة بنا تحدث وتتكرر على نحو فظيع، وكأنها لا تحدث إلا في الأردن، لدرجة أن رواية متخيلة غير صحيحة عن جرائم الشرف في الأردن حظيت بانتشار واسع، وتبدو محاولة التذكير بجرائم الشرف التي تقع في أوروبا والولايات المتحدة على سبيل المثال، والتي تنشر عادة في الصحف والوكالات محاولة عبثية لا طائل من ورائها.
المقالة ليست بالطبع عن جرائم الشرف، ولكنها عن الاعتقاد الناشئ اليوم في السياسة والاقتصاد والثقافة بأن الإعلام هو مفتاح الحلول لكل المشكلات والبرامج والأفكار الإصلاحية، فأكاد أعتقد بأن كل قضايانا السياسية والتنموية تعالج كما لو أن طرحها في وسائل الإعلام والمؤتمرات يكفي لحلها، وكأن الديون والفساد وترهل التعليم وضعف كفاءة المؤسسات التعليمية والصحية والخدمات تعالج بالدعوة إلى تدارسها أو طرحها في وسائل الإعلام.
ثم تتشكل رواية ورؤية أخرى للمسائل والأفكار تنشأ في وسائل الإعلام وفنادق المؤتمرات، وتصبح هي الدليل المتبع أو خريطة الطريق للعمل، ولا تصلح أية محاولة لتقديم وعرض المعلومات والإحصاءات الأساسية المتعلقة بالقضية المدروسة أو المطروحة في وسائل الإعلام، ولا يعود أحد يعرف القصة الحقيقية أو الأصلية. ما مشكلة جر مياه الديسي على سبيل المثال؟
فبالرغم من كل ما كتب عن الموضوع، والمساءلة البرلمانية والدراسات والمقالات، فإن أحدا لا يعرف القصة، ولا المشكلة، ويبدو لي أننا نتحدث في كل شيء إلا الموضوع الحقيقي المطلوب الحديث فيه وعنه، وكذلك قصة الأقاليم، وقناة البحرين، ولا بأس من إعادة التذكير بمبادرات ومشروعات مثل كلنا الأردن والأجندة الوطنية على سبيل المثال، حتى الجرائم والمشاكل المفترض أنها تقع وفق قاعدة إحصائية معروفة تبدو في وسائل الإعلام وكأنها موسمية، الأطفال المولودون حديثا والذين يعثر عليهم على الأرصفة، ألا تبدو هذه الحالات وكأنها تقع في موسم معين؟ ففي بعض الأسابيع تتحدث وسائل الإعلام عن حالات عدة تقع، ثم لا نسمع بمثل هذه القصص لعدة أشهر.
الشاهد في المقالة هو محاولة ملاحظة سلوكنا وفق الصورة والإعلام المعد لنا وليس وفق أسئلتنا ورؤيتنا وحقيقة المشكلة التي نتعامل معها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد