الأكثر ذكاء ودهشة والأقدر على السلامة هم الذين يقدرون على إخفاء ذكائهم ومعرفتهم والتظاهر بالغباء، وقديما قال الشاعر: ... ولكن سيد قومه المتغابي. كيف تقنع الناس أنك غبي، تلك هي المسألة! وفي التراث الشعبي أن شخصا كان يعتقد أنه قمحة، فإذا رأى دجاجة أصابه رعب واختبأ مخافة أن يبتلعه الدجاج، وبعد جهود مضنية في العلاج والتأهيل اقتنع الأخ أنه ليس قمحة، ولكنه ظل يختبئ ويهرب مذعورا كلما رأى دجاجة، فإذا ذكره الناس بأنه ليس قمحة، قال: أعرف، ولكن من يقنع الدجاج أنني لست حبة قمح! وهنا تسكت الأسطورة، ولكنها تترك للأشقياء ملاحظة الاضطهاد والظلم الواقع على فئة من القمح يحسبها القمح دجاجة، كيف تقنع القمح أنك لست دجاجة، فإن لم تنجح سوف تموت من الجوع والقهر والاضطهاد، كيف تقنع تلك الحبات التافهة المهيمنة في الحقول انها تتسع لكل المخلوقات، وأنها ليست بحاجة إلى إبادة جميع الكائنات الحية لتبقى!
وفي هذا السياق ولأغراض التعلم والتمرين سأحاول ولعل القراء يساعدونني في الفهم والرؤية، فعلى سبيل المثال فإن الزملاء/ الزميلات في حياتنا أعدوا وصفات تحت عنوان المطبخ الفرنسي، وللفائدة سألخص قواعد إعداد الأطباق الفرنسية كما وردت في الغد: تغلي الماء وتفرغ المغلف المعد للشوربة والبيشاميل، وستحصل على شوربة ونسكافيه، ويمكنك بمزج الفواكه مع الحليب والآيس كريم ان تحصل على كوكتيل الفواكه!
وتعلن النقابات المهنية عن تأجيل إشهار فتوى علماء الأردن بوجوب المقاطعة الاقتصادية "للعدو الصهيوني" والداعمين له إلى موعد آخر يحدد لاحقا، هكذا يقول الإعلان مدفوع الأجر والذي نشر في الصحف، ويا ريت ياخذني الإخوان في النقابات المهنية على قد عقلي، ويحلفون بالله العظيم أنهم يعتقدون أن هذه الفتوى هي أمر الله للناس، ولكن إذا كانت معطيات الفتوى تقديرا سياسيا يمكن أن يكون صوابا أو خطأ ويمكن أن يتغير، فهل هي فتوى من الله أوصاهم بها، أم هي تقدير بشري إنساني يتغير ويتبدل، وما الحاجة لتكون فتوى، ولماذا يزج الإخوان في شعبة هندسة مناجم الفحم وإدارة التحصيل وأجور العمليات في مستشفى استثماري بفتوى يعلمون أنها تقدير موقف، ولا يشغلون لجان الفتوى في حق الرعاية الصحية وأجور العمليات وفواتير المستشفيات وما يمكن أن تقدمه النقابات للمواطن والمجتمع وماذا ساعدت فيما يجري من نهب واعتداء على جيوب المواطنين والمرضى والفقراء والمحرومين وضحايا التحايل والمغالاة في المساكن والطرق والمرافق، لا أحد يحتاج إلى فتوى وتوعية ليعرف أن فلسطين محتلة، ما معنى أن هذه الفتوى بخاصة تشغل النقابات المهنية؟ مرة أخرى المسألة ليست متعلقة بالجدل حول شرعية وصحة الاحتلال والعلاقة معه، ولكن الخوف من قوله تعالى "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" الفتوى أكبر بكثير من حملة انتخابية، وأجزم أن المستفيد الأول من فتاوى ومقاومة التطبيع هو الاحتكار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد