يعتقد مصدر رفيع المستوى أن الحصار على غزّة سقط، ولم يبق إلا الترسيم الرسمي وفق صيغ هي قيد الإخراج.
إسرائيل خسرت المعركة، ولم يسبق أن كانت في موضع الإدانة الصريحة من العالم كما كانت مع اعتدائها على أسطول الحرية، فهي خرقت القانون الدولي في المياه الدولية، وقتلت أبرياء غير مسلحين من دون أي مبرر، ووضعت تحت نظر العالم حصارا غير مشروع وآثما بحق شعب كامل لم يعد مقبولا ويريد له المجتمع الدولي ان ينتهي.
ثمّة ما يبعث على التأمّل والتفكير لِمَ تريد إسرائيل الحصار؟ مبدئيا لأسباب أمنية! هي حتما لا تريد القطاع قاعدة معادية تتكدس فيه الأسلحة، لكن منذ انسحابها أحادي الجانب هي لا تستطيع أن تفرض أي ترتيبات مأمونة، لأن ذلك كان يتطلب انسحابا متفقا عليه، بترتيبات متبادلة والتزامات موقع عليها، ومعترف بها دوليا.
ربما تستطيع إسرائيل إغلاق المعبر الشمالي، لكن حصارها للبحر ليس له أي أساس شرعي ما دامت لم تعد تعتبر نفسها سلطة احتلال على القطاع، وفي النهاية فإن ترتيبات لتزويد القطاع باحتياجاته مع رقابة على السلاح سيفرض نفسه. ثم إن مصر فتحت معبر رفح، ويقال إنها لا تنوي إعادة غلقه، وفي نهاية المطاف سوف يعود تدفق السلع والاحتياجات للقطاع بصورة طبيعية، فماذا بعد؟!
أخشى أن حال اسرائيل معنا ستكون كحال الحاكم مع عائلة ظلّت تجأر بالشكوى من ضيق معيشتها في غرفة واحدة صغيرة، فأمر بوضع ما لديهم من ماشية معهم في الغرفة، وبعد شهور من المعاناة الفظيعة الجديدة والشكوى، قرر الحاكم إخراج الماشية فانحلت المشكلة بعودتها كما كانت، وسادت الراحة والهدوء!
إنهاء الحصار يحقق انتصارا إنسانيا لأهل غزّة، لكن لا يعني شيئا من الزاوية السياسية للقضية الفلسطينية، لذلك يجب عدم السقوط في فخ جعل قضية الحصار قائمة بذاتها ولذاتها، ويجب ربطها في كل ثانية بالقضية الأعم وهي الاحتلال.
ولعل المطالبات بحركات ذات رمزية سياسية، مثل زياراة قادة وزعامات سياسية للقطاع، باعتبار ذلك تحديا للحصار، هي مطالبات من حيث تدري ولا تدري تصبّ في اتجاه آخر.
نفهم ذهاب وفود شعبية وأهلية للتضامن، أمّا وزراء خارجية عرب أو قادة دول، أو حتّى الأمين العام للجامعة العربية، ذلك يعني استكمال إنهاء الحصار الغذائي، بتكريس قطاع غزّة كيانا منفصلا معترفا به. وبصراحة إذا كانت حماس شغوفة بذلك على كل حال، فالقضية الفلسطينية هي المتضرر، ذلك أن القطاع لا يجب أن يبقى ولا لدقيقة واحدة مستقلا سياسيا وجغرافيا عن الضفّة الغربية.
الأوروبيون والأميركان وسواهم لا يفهمون مبررات إسرائيل لتجويع القطاع، لكنهم يقدرون تماما حساباتها الأمنية، وهم مستعدّون لصيغ، سترى النور قريبا، لحلول تأخذ صيغة تليين الحصار إلى الحدّ الأقصى، بحيث لا يعود هناك شكوى إنسانية.
من جهتنا، سنعود لنجد أنفسنا في نقطة الصفر سياسيا. وإذا لم تخلص النوايا للذهاب سريعا باتجاه الوحدة، فسوف نجد انتقالا سريعا من المواجهة مع إسرائيل إلى المواجهة مع السلطة الفلسطينية، بالتصعيد الكلامي الجارح واتهامات التخوين والمطالبة بوقف المفاوضات غير المباشرة لتبرير استمرار الانقسام، مع تكريس الاعتراف بسلطة حماس المستقلّة في غزّة عربيا ودوليا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة