يوم الجمعة الفائت كان كمين لشرطة المرور يختبئ بجوار صحيفة الدستور يتلقط السيارات التي تزيد السرعة محولا الشارع الرئيسي في وسط عمان إلى حالة من الاختناق والأزمة والرعب أيضا.
بالطبع فإن المثال ليس نادرا على المصائد التي تنصبها الشرطة بأشكال وهيئات تدل على الذكاء بالتأكيد، ولكنه ذكاء الاستقواء على المواطن، وليس التخفيف من السرعة والمخالفات، فيمكن على سبيل المثال تثبيت كاميرات تصوير بدلا من الدوريات "المتنقلة"، ولكن ستكون في هذه الحالة كارثة مالية، لأن الناس سيعرفون عن الكاميرات ويخففون السرعة، وليس المقصود تخفيف السرعة، ولكن المقصود بالفعل هو زيادة السرعة لأجل مخالفة المواطنين!
لنتخيل الحالة لو كانت المناطق الخطرة والمطلوب تخفيف السرعة فيها مغطاة بكاميرات، لن يكون ثمة حاجة لعشر دوريات على طريق عمان إربد، ومثلها في الاتجاه الآخر، ولكن لن تكون هناك مخالفات (للأسف الشديد) وستكون ثمة حاجة لعمل آخر أكثر جدية وأهمية (للأسف الشديد أيضا) مثل البحث عن الطفل المفقود، فدرويات المرور وكاميراته وشرطته السرية تلتقط كل من يزيد السرعة في "شارع الملكة رانيا"، أو لا يضع الحزام في "شارع ابن حيان" في أعماق ودواخل الحي، وتظهر كل عام عند ترخيص سيارتك قدرا من المخالفات لا بد أن إمكانيات خارقة استخدمت للكشف عنها! لكن هذه القدرات الخارفة لم تكشف لنا حتى الآن (للأسف الشديد، وهذا أسف مجتمعي وليس رسميا) أين اختفى الطفل ورد الربابعة، ولم تدلنا على انتهاكات حقوق أطفال آخرين حتى توفوا تحت التعذيب.
هذه العقلية الاستقوائية على المواطن لا تخفف حوادث المرور، وتخلق الاحتقان وفقدان الثقة بين المواطن والحكومة. فالمواطن المثقل بالضرائب، والذي يمول رواتب الموظفين والمياومات والأسفار والمؤتمرات، يجد أن الأموال التي يدفعها لم تستخدم لمصلحته، وإنما للاستقواء عليه، لأجل أن يدفع أكثر، يدفع لأجل ماذا؟
وهذا الغياب الكبير للثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية يضر بالمصالح جميعها، ومنها عمليات جمع الضرائب والأتاوات والمخالفات نفسها، فكما أن الشرطة والحكومة تخلقان حيلا للاستيلاء على أموال المواطنين، سيخلق المواطنون حيلا أخرى مضادة للتهرب والإضرار بالحكومة ومؤسساتها.
الأخطر من ذلك كله غياب الشعور بالانتماء والمشاركة، عندما ينظر المواطن إلى الحكومة وموظفيها بالريبة والشعور بالألم، وبخاصة عندما تكون مصحوبة في أحيان بالمعاملة السيئة والتأكيد الواضح أن العملية الحكومية ليست سوى البحث عن وسيلة، أية وسيلة لجمع الأموال من المواطنين.
ما معنى ضريبة يدفعها المواطن تحت مسمى رسوم معينة، ثم يجد تحتها أنه دفع ضريبة على هذه الرسوم بنسبة 10% من الرسوم التي دفعها، هل هناك في التاريخ والجغرافيا ضريبة على الرسوم؟ هذا موجود لدينا في الكشف الذي يتكرم الموظف بتقديمه لك عندما يوضح لك تفصيل الرسوم التي دفعتها، وتدفع أيضا ثمن القسيمة وثمن شيء آخر يسمى باسم آخر، ولكنه القسيمة نفسها التي دفعت ثمنها، ولماذا لا تتضمن الرسوم ثمن القسيمة؟، فالحكومة تريد منك ان تدفع الضريبة، ولا تريد ان تدفع هي ثمن الورق والقسائم التي تعد عليها بيانات الضريبة.
المعنى الذي تتحصل عليه، أكثر بكثير من دفع المال والرسوم، هو قهر المواطن وتحطيم شعوره بالمواطنة والانتماء والمشاركة، وتأكيد علاقة الاستقواء بين المجتمع والحكومة.
ألا تخاف الحكومة أن تجد نفسها في يوم من الأيام تقود مواطنين لا يملكون شيئا يدفعون لها، حتى لو عصرتهم عصرا وطحنتهم طحنا، وبخاصة أنها مش مقصرة أبدا في إعفاء الأغنياء ودعمهم؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد