إقامة دولة مسيحية في لبنان وإقامة دولة فلسطينية في الأردن تستوعب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعددهم حوالي 400 ألف. هذه هي المعلومة - القنبلة التي فجّرها وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك في معهد الأمن القومي في تل ابيب وهو يتحدث في ذكرى الانسحاب من لبنان عام 2000. وقال إن مخطط شارون المضمر باقامة دولة مسيحية في لبنان بالقوّة ونقل الفلسطينيين للأردن وقيام دولة فلسطينية فيها، كان من الأسباب التي دفعته إلى التعجيل بالانسحاب لإجهاض هذا المخطط الذي وصفه بأنه استراتيجية مجنونة وغير واقعية وضيقة الأفق.
فرضية الأردن كدولة فلسطينية بديلة ليست جديدة على فكر اليمين المتطرف الاسرائيلي، والأفكار بنقل فلسطينيي لبنان الى الأردن ليست جديدة أيضا؛ لكن لم يسبق أن ميط اللثام أبدا عن وجود مخطط فعلي بهذا الصدد، وقد جاهر اليمين المتطرف دائما بمقولة أن الاردن هو الدولة الفلسطينية، إلى أن اصبح شارون في الحكم، فتراجع عنها أمام الراحل الحسين، وقيل إنه اعتذر عنها أمامه.
شأن اليمين المتطرف في كل مكان، الرهان على القوّة والتفوق لإعادة تشكيل الواقع وفق الخيال المريض العنصري والاستعلائي، وبهذه العقلية يستمر التنكر لحقيقة وجود الشعب الفلسطيني، وحقه الطبيعي في أن يعيش على أرضه حرا مستقلا كبقية سكان الأرض، بل والذهاب الى افتراض أن يصنع له وطن بديل ودولة بديلة.
ما كان يبقي رؤية اليمين المتطرف محصورة في جحرها، هو الانعدام التام لفرصها الواقعية على الأرض، وبرنامج الفلسطينيين الممهور بالدم والتضحيات الأسطورية باقامة دولتهم المستقلّة على أرضهم، ومن جانب آخر وجود قيادة أردنية تحظى بمصداقية استثنائية، ليس على المستوى الدولي فحسب بل أيضا لدى الرأي العام الإسرائيلي الذي لا يقتنع باستعداء الأردن وتهديد كيانه.
قبل أيام فقط كتب يوسي بيلين وزير الخارجية الاسرائيلي الأسبق، مقالا ينتقد فيه استعداء الأردن بمناسبة المحاولات الإسرائيلية الدؤوبة لعرقلة البرنامج الأردني لاستثمار اليورانيوم وتخصيبه، ومحاولات ردع الأطراف الدولية عن التعاون مع الأردن في هذا المجال.
هناك انقسام اسرائيلي داخلي عميق حول التصور للذات وللمنطقة وللمستقبل، والحقيقة أن بيلين اظهر على الدوام اعتدالا ونزاهة وهو معارض جذري للأفكار المغامرة والمعادية للأردن، ويؤيد بقوّة تجاور دولتين فلسطينية واسرائيلية على ارض فلسطين التاريخية. لكن التيار الذي يمثله بيلين تراجع مع المواجهات الدموية وصعود اليمين، وليس صدفة ان تعود الطروحات حول الدولة الفلسطينية في الاردن للظهورعلنا، لكن هذا الطرح ما يزال لا يحظى بتعاطف أغلبية الرأي العام الاسرائيلي. والتيار الأكثر واقعية واعتدالا في اسرائيل يستفيد من الموقف الأردني الصلب والاداء الرفيع والخطاب ذي المصداقية العالية للقيادة الأردنية ومواقف بيلين، وما أماط باراك عنه اللثام يدلل على جدوى ومردود السياسة والخطاب الأردني في شكم قوى التطرف والعدوان وإضعاف موقفها داخل إسرائيل نفسها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة