تواجهك في الحياة على نحو يومي حالات من الناس الباحثين عن مستمعين، وبمجرد أن تمنحهم الفرصة يواصلون الحديث على مسمعك لساعات طويلة عن قصصهم وأحلامهم ومغامراتهم وآرائهم السياسية والثقافية، ويقتحم عليك بعضهم في المجالس والمقاهي والمناسبات ليمضي في حديث طويل عن آرائه وقراءاته ملاحظاته التحليلية للأحداث والمواقف، وإذا أبديت تعاطفا مع هؤلاء فسوف يكلفك ذلك ساعات طويلة من الاستماع المتفاعل، والمشكلة في بعض الأحيان أنه يعرض أفكاره بطريقة لا تسمح لك بالتفاعل إلا تأييدا أو معارضة، فإذا أيدته يصبح الحوار باردا، وإذا اختلفت معه فإنه يعلن الحرب عليك، وكأنه متحفز بانتظار هذه اللحظة، وتكون مكافأتك بأنك تمنحه فرصة الاستماع ,الاتهام والتجريح والنقد القاسي.
يتحدث أستاذ التحليل النفسي أريك فروم عن أشخاص يراجعون الطبيب النفسي فقط ليتحدثوا عن أنفسهم، ولا يجدون مانعا أن يدفعوا خمسين دولارا مقابل الحديث، برأي فروم فإن العلاج والتقدم يبدأ بالتفريق بين التفاهة، ولكنه يستدرك قائلا بأن معظم محادثات الناس تافهة بما في ذلك المقالات التحريرية في نيويورك تايمز، كل ماهو مخالف للواقع فإنه تافه، وهكذا فإننا نغرق في التفاهة، ونحتاج لمجهود هائل لنخلص أنفسنا.
تبذل مجهودا كبيرا للربط بين الشريك الإستراتيجي لمصفاة البترول وضرورات التقدم والتحسين، وتحاول أن تفهم لماذا هو شريك سري، ولماذا يعفى من الضرائب، ولماذا يمنح الاحتكار، وحق التسعير، وما المكاسب والمنافع التي تعود على الوطن والناس، فلا تجد ملجأ سوى أن تبحث عن طبيب نفسي!
ولكنا نشعر بالتحسن بسبب الحديث مع الآخرين، برغم أن مشكلاتنا لم تحل، سواء كانت مشكلات عامة وسياسية أو فردية أو الفقر أو الفجوة بين تكاليف الحياة وقدراتنا المالية، أو العلاقات الشخصية، وقد نشعر بالتحسن بمجرد الاستماع والمشاركة، ولكن كيف نميز بين التفاهة وغيرها؟
شخصيا أعتقد برغم أنه اعتقاد مكلف جدا على مستوى العلاقات القرابية والصداقة أننا بحاجة للصراحة والحزم مع ذواتنا ومع الآخرين، ولا نمرر الأفكار والمقولات والأحاديث والآراء على سبيل تزجية الوقت والمجاملة، فذلك يغرق المرء في التفاهة ويستهلك روحه، ويمنعه من الرقي والاستفادة، فالتواطؤ مع التكرار والنميمة والحديث عن الذات والكذب والمبالغة يخلق لنا أزمات معقدة، ويسد الأبواب أمامنا لتطوير أفكارنا وتحسين حياتنا، كيف نجعل أسلوب حياتنا ارتقاء متواصلا بأفكارنا وخبراتنا؟ كيف نجعل حياتنا اليومية مدخلا للثراء الروحي والفكري الحقيقي؟ كيف يكون يومنا أحسن من أمسنا؟ كيف لا تكون أيامنا متشابهة على نحو يصيبنا بالاختناق والملل والكآبة .. والخواء؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد