ينشر في الصحف ونسمع في المجالس عن مؤسسات تجارية للاستشارات الشرعية، ونعلم أيضا أن مؤسسات خاصة، مثل البنوك توظف مستشارين شرعيين وتعين أيضا لجانا للرقابة الشرعية، وانفرد المستشفى الإسلامي (وهو مؤسسة ربحية) بتعيين مستشار شرعي لفترة من الزمن، كيف تمضي الآن أعمال المستشفى الإسلامي من غير مستشار شرعي؟ هل يمكن أن يكون ثمة ثقة ومصداقية لفتاوى صادرة عن شركة خاصة؟ هل يمكن أن نثق بفتوى مستشار شرعي لبنك نعلم أنه يتقاضى منه مكافآت وأنه شريك مساهم في البنك؟
لا يمكن بالطبع أن نثق بهذه الفتاوى مهما كانت النوايا حسنة، ونعلم أن الفتوى عملية بحث، ولا يمكن الاطمئنان إلى أن الفتاوى التابعة للبنوك وشركات التأمين وغيرها من الأعمال التجارية لم تكن موجهة مسبقا لأجل سوق الأدلة والأفكار نحو موقف معد مسبقا لصالح البنوك والشركات؟
لا يمكن الثقة بأن الفتاوى (هذه) يمكن أن تتعارض مع مصالح الشركات والبنوك، ولا يمكن ابتداء أن نثق بموظف فتاوى في شركة أو "مورد/ مقاول فتاوى" فالاتباع في الفقه قائم أساسا على الثقة، بل إن الثقة هي أساس الاتباع، ولعلها أكثر أهمية من العلم والمؤسسية، هكذا نشأت المذاهب الفقهية المعروفة والمعتمدة.
لم يكن أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد هم العلماء والمجتهدون من دون سواهم، ولكن المجتمعات والأفراد منحت ثقتها لهؤلاء، وهكذا تتشكل أيضا المرجعية في المذاهب (المذاهب وليس المذهب) الشيعية، إنها مسألة ثقة، وليست وصاية مؤسسية، ولا شهادة علمية، ولا إعلانا تجاريا لبنك أو شركة أو مستشفى، وليست وزارات أوقاف ولا جامعات ولا كليات شريعة.
ما تقوم به البنوك استثمار للثقة التي يمنحها الناس للعلماء لأجل تحصيل أرباح، وأيضا ما يقوم به علماء (أفاضل) من فتوى للبنوك أو فتاوى ضد بنوك، بل إن أحد العلماء المشهورين أصدر فتوى متعلقة ضد أحد البنوك وذكره بالاسم، وضد إحدى شركات التأمين وذكرها بالاسم هو استثمار للثقة التي يوليها الناس بالعلماء أو ببعضهم لتحصيل منافع مالية، وإقحام للشريعة في منافسة غير مشروعة.
البنوك تحتاج إلى معالجات فقهية وبحوث شرعية فيما يتعلق بأعمالها وأنشطتها، فما الحل؟ ربما يكون الحل الأفضل أن تتولى جهات محايدة ذات مصداقية مثل هذه الأعمال، من قبيل منظمة المؤتمر الإسلامي أو الجامعات والكليات الإسلامية، مع ضرورة التشديد على ألا تكون فتاوى مدفوعة الأجر من قبل البنوك والشركات، أو أن تنشأ مؤسسات وأعمال مجتمعية مستقلة للفتوى، تماما كما نشأت المذاهب الفقهية، فهي في الأساس منظومة مجتمعية مستقلة، أنتجت مدارس وعلماء وتلاميذ وكتبا ودراسات وتراثا فقهيا صخما، ولكنها للأسف الشديد توقفت، وإن ما تزال الحوزات الشيعية ناشطة وتعمل، وتشكل مرجعية لأتباع المذاهب الشيعية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد