أكرر الثناء على مشروع "الغد" "سياسي يتذكر..."، وهي تواصل نشر الحلقات في سلسلة الحوار مع رئيس الوزراء الأسبق المهندس علي أبو الراغب. ومع كل حلقة كان لدي ما أتوقف عنده أو أعلق عليه أو أستوضحه، ولعل العديد من المراقبين لديهم الشيء نفسه، لكن في المشروع ليس هناك شيء مخصص للتعقيبات والتعليقات والأسئلة، وأكاد أقترح تخصيص مكان ما أسفل الصفحة لهذه الغاية، ويمكن أن يكون على حساب المساحة التي توازي نصف صفحة للصورة والتقديم.
رغم أن الرؤساء الأردنيين السابقين خرجوا عن التحفظ القديم والتقليدي، وأصبحوا يناقشون بانفتاح أكثر من خلال وسائل الإعلام تجربتهم وتجربة غيرهم، فما يزال لديهم الكثير ليقولوه كما تدلّ على ذلك سلسلة "سياسي يتذكر"، وهم الآن يسمحون لأنفسهم بإصدار آراء وأحكام أكثر وضوحا رغم الحرص الذي يطبع تعليقاتهم على تجارب غيرهم، وحتّى الآن قرأت أو سمعت من 4 رؤساء سابقين يصفون من دون تردد ما جرى في الانتخابات الماضية بأنه تزوير.
لا نشك أن المنصب يفرض على الرؤساء الترفع عن التعرض لتجارب بعضهم، حفاظا عى هيبة الموقع الأرفع في الدولة بعد جلالة الملك، لكن لا مناص في النقاش السياسي من الدخول على بعض الخطوط. وعلى سبيل المثال فإن العودة لارتفاع المديونية، وقعت في الفترة بين نهاية حكومة أبو الراغب وبداية حكومة سمير الرفاعي، فإنّ هناك 4 رؤساء جاؤوا بين الفترتين يجب أن نرى كيف يتقاسمون المسؤولية عمّا جرى وإلى أي مدى. والرئيس أبو الراغب يضع المسؤولية بوضوح على تيار "الليبرالية الجديدة" أو من يطلق عليهم جماعة "الديجيتال"، فهل حقا كانت مسؤولية هذا التيار انفلات التوسع بالإنفاق وتضييع مكتسبات خفض المديونية وعجز الموازنة؟!
يجب أن يكون هناك من يجيب، مع أن أيا من رؤساء الحكومات اللاحقين لا يحسب نفسه على هذا التيار، وقد تكون حكومة عدنان بدران اعتبرت حكومة "الليبراليين الجدد" بامتياز، لكن عمرها كان قصيرا للغاية، ولا يمكن أن تحسب عليها سياسة عامّة استمرت عابرة للرؤساء والحكومات.
وكل رؤساء الحكومات اللاحقة لحكومة أبو الراغب ساروا بالإصلاح وفق التوجه العام السائد لتحرير الاقتصاد والانفتاح وتشجيع الاستثمار، مع الحرص في الوقت نفسه على البعد الاجتماعي. ويبدو أن هذه السياسة كانت تقلص عوائد الدولة في الوقت نفسه الذي كانت المسؤوليات الاجتماعية تزيد الانفاق، فكان يتمّ التعويض بصمت بالاقتراض الداخلي، ما أعاد المديونية إلى عهدها الأول خلال سنوات قليلة.
عهد حكومة المهندس أبوالراغب نهاية عهد الوصاية لصندوق النقد بانخفاض المديونية إلى حدّ كاف، ويبدو أننا ما إن خرجنا من الوصاية حتّى أخذت الحكومات راحتها في التوسع بالموازنات، وبالتالي توسع العجز وارتفعت المديونية.
هناك نكهة وأسلوب وشخصيّة مختلفة لكل رئيس، تضعه في موقع مختلف، وهناك طريقة وخيار خاص في المسائل المختلفة والقرارات على صعوبة التمييز حقا بالسياسات، لكن الخيار والقرار بشأن كل قضية هو شيء مهم، والحوار حوله يصنع ثقافة سياسية وخبرة. والحاصل أن سياسيي الصف الأول في البلد يُصنعون في ظلّ واقع حزبي ضعيف، لا يشكل مصنعا لتخريج القيادات السياسية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة