ربما تنجح فكرة دمج البلديات في حالة تعيين رئيس البلدية، وليس في حالة الانتخاب، فالبلدات برغم تجاورها والتصاقها ببعضها أحيانا غير قادرة على الاندماج ولا تتقبله، وربما يكون التنافس والتناقض بين البلدات المتجاورة أكثر بكثير من التناقضات والمنافسات الأخرى المعروفة على مستوى المملكة، وقد نشأت أجيال متعاقبة في الدولة الحديثة تكونت علاقاتها مع مراكز المحافظات والعاصمة ولم يكن لها أدنى علاقة مع البلدات المجاورة، وربما لم تزرها في حياتها، فكيف ستجري انتخابات بلدية.
ليس هناك ما يجمع أهالي بلدتين متجاورتين يمكنهم من تنظيم انتخابات وتنافس على أساس مشترك، ولذلك فإن الانتخابات البلدية التي تجري في المناطق المدمجة ببعضها هي في الحقيقة تنافس بين القرى، يفوز فيه الأكثر عددا، ويكاد يكون متعذرا أن يحصل مرشح من بلدة على صوت واحد في بلدة مجاورة، وتكون الكارثة بعد الانتخابات، إذ يجير الفريق الفائز جميع الموارد والفرص إلى بلدته ويحرم البلدات الأخرى الشريكة في البلدية الكبرى.
ومن الناحية الاجتماعية والمنطقية أيضا فإن أهالي كل بلدة يملكون مصالح وهموما وأفكارا مشتركة حول الخدمات والمؤسسات والمرافق والأهداف والطموحات الممكنة لبلدتهم، في التعليم والرياضة والثقافة والتنمية وغيرها، ويتجمعون بانتظام بشكل تلقائي وفي المناسبات بالإضافة إلى الروابط التاريخية والمشاركات والمصاهرات الممتدة إلى قرون من الزمان.
وفي معاينة التطبيق العملي لدمج البلديات فإن الدمج لم ينجح بحدود ملاحظتي وتقديري بالطبع، ونتمنى أن يقدم استطلاع الرأي حول الدمج مؤشرات حقيقية ومفيدة حول التجربة في تشكيل علاقات وتحالفات تتجاوز البلدة الواحدة، بل العكس هو الذي حدث فقد زادت الحساسية والمرارة والاتهامات بين أهل البلدات المتجاورة، وفي الوقت نفسه فإن أهل البلدة الواحدة كانوا قادرين وبنجاح مدهش على تجاوز الخلافات التي تجري في كل انتخابات، لتتغير التحالفات في الانتخابات التالية، او لتقع مصالحات في مناسبات تتكرر في البلدة من الأفراح والأحزان.
ويبدو لي أن تجربة الدمج كانت فقط لإلغاء الانتخابات البلدية وليس لشيء آخر، فهي تتيح للحكومة إدارة البلديات والسيطرة عليها بعدد قليل من الموظفين وبتكاليف قليلة، صحيح أن التوفير سيستمر لو استمر الدمج مع استئناف الانتخابات، ولكن ذلك لم يحدث ولا يتوقع حدوثه أيضا، فمن المنطقي أن تظل كل بلدة مهما كانت صغيرة وحدة مستقلة اجتماعيات وإداريا، وتنشئ مواردها وعلاقاتها، وتطور أدوات للإدارة والحكم المحلي.
ومن الملفت أن البلدات نجحت تاريخيا على الأقل في إنشاء مرافق وخدمات ومشروعات منذ عقود طويلة، المدارس في كثير من البلدات تعود إلى القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك، وتحولت إلى مدارس نظامية مع نشوء الإمارة والدولة الحديثة في أوائل العشرينات، وكذلك الطرق، والأمن، ونجحت البلدات في تكوين شراكة ناجحة مع الحكومات في التنمية والإدارة، وأخشى من القول إننا فقدنا ذلك كله أو جله.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد