يذكر تقرير صحافي أن حوالي 80% من حالات الطلاق تتم في فترة الخطوبة، ولا شك أنها نسبة تؤشر على غياب معرفة الناس ببعضهم، وأن الشباب والصبايا يعرفون بعضهم فقط بعد الخطبة فيكتشفون حجم الخلافات بينهم وعدم قدرتهم على العيش معا، ونكتشف أيضا أن غياب الاختلاط يشكل الناس تشكيلا خاطئا، ولا يؤدي فقط إلى غياب المعرفة، ولكن إلى الغيبوبة وغياب الفهم وخبرة الناس ببعضها وبالحياة أيضا، فتتكون تصورات وأفكار غير واقعية أو خاطئة لدى الناس عن بعضهم وعن الحياة والمسؤوليات والحياة المشتركة، وربما يكون بعضهم مستمدا من الدراما التلفزيونية التي لا تعبر فقط عن غياب كبير عن الحياة والمعرفة ولكن عن غباء كبير، فهي غالبا ما يكون أعدها كتاب من الدرجة الرابعة لا يملكون من المعرفة والخبرة سوى الفشل والضعف وصلات القرابة بالمخرجين والمنتجين، أو من دراما أجنبية تعبر عن ثقافة ومجتمعات أخرى.
في غياب الاختلاط والحياة المشتركة والمعرفة بين الناس، تقودهم بدلا من الخبرات والحكمة والملاحظات والأفكار العملية أحلام وهلوسات ومعلومات وأفكار افتراضية هشة وقياسات خاطئة، الشاب على سبيل المثال يبني تصوره عن سلوك الفتاة وتفكيرها قياسا على سلوكه هو وفكره، أو قياسا على سلوك بطلة المسلسل التي اقترح أفكارها وسلوكها كاتب سيناريو أهبل ومخرج فاشل، وتدبير الأولويات وتوزيع الموارد تحكمه أفكار نمطية وليس تفاهمات حقيقية على الاحتياجات والإمكانات، والمطالب المتبادلة بين الزوجين/ الخطيبين وأسرهما تقوم على إشاعات وتصورات غير عملية.
القيم والثقافة نفسها تتعرض للخلل والخطل في غياب الاختلاط، فالثقافة المنظمة للقيم والمواقف والأفكار والسلوك وأسلوب الحياة تقوم ببساطة على وعي الذات ورؤيتنا لأنفسنا ولما نريد أن نكون عليه وما نتوقع من الآخرين أن يرونا ويفهمونا، فإذا كان هذا الوعي غائبا أو مشوشا أو خاطئا فإن الثقافة والقيم نفسها تتحول إلى منظومة من الأخطاء والعيوب والخطايا، لأن الثقافة الصحيحة والملائمة تتشكل في بيئة من المعايشة والمواجهة الصحيحة والواقعية والإدراك السليم للاحتياجات والأولويات والصواب والخطأ.
على سبيل المثال، فإن مطالب الإنفاق من الفتاة وأهلها تتركز على مظاهر مرهقة ماليا، ولكنها تمنح انطباعا وفكرة مرغوبة، أن تقهر العواذل والأقران من دون اعتبار للثمن الباهظ لهذه الرغبات والمكاسب الوهمية.
في المقابل، فإن الشاب وأهله ينشئون تصورات للعلاقة المفترضة للقادمة الجديدة إليهم ولدورها ومسؤولياتها تنتمي إلى عصور وظروف وأساليب حياة لم تعد قائمة، فبرغم سيادة وانتشار الأسرة النووية وغياب وانحسار الأسرة الممتدة، فلم تتشكل بعد أساليب حياة وعلاقات مستمدة من الأسرة النووية وليس الممتدة، والسبب ببساطة أن الشباب والصبايا لم يتح لهم أن يفكروا ويخططوا حياتهم معا على مدى سنوات من التنشئة والمعرفة في الحي والمدرسة والجامعة والعمل، لكنهم يلتقون مثل كائنات قادمة من كوكبين مختلفين لا يعرفون عن بعضهم الا القليل من الحقائق والكثير من الإشاعات والتصورات، ويخوضون معا حياة مشتركة على نحو يشبه قيامي بقيادة مركبة فضائية بناء على معرفتي التي لا تتجاوز فيلما وثائقيا في قناة ناشيونال جيوغرافيك.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد