انحراف بسيط لمدار الأرض بسبب تجارب علمية متهورة، أدّى الى ارتفاع كارثي لدرجات الحرارة فتعطلت المؤسسات وانهارت الشبكة الكهربائية وفقدت السلطات السيطرة وبدأت الجموع اليائسة تنزح من المدن والبشر يتساقطون ميتين كالذباب. كان هذا فيلما صادف بثه قبل اسابيع، عن ارتفاع حرارة الأرض. والأمور طبعا لن تحدث على هذه الطريقة، لكن ارتفاع حرارة الأرض حقيقة مستمرة وهي يمكن أن تصل الى مستويات خطيرة تعني درجة مئوية واحدة خلال قرن، وهذا كاف وفق وصف العلماء لإحداث تغييرات مأساوية مثل انحسار القطبين المتجمدين الشمالي والجنوبي وارتفاع البحار واختفاء جزر والقضاء على نصف التنوع الحيوي في الأرض والمحيطات وعودة الأوبئة . . الخ. والحاصل أن حرارة الأرض ارتفعت خلال القرن الفائت بمعدل نصف درجة مئوية وكان من آثارها انحسار طبقة الجليد في القطبين، حتى إنه ولأول مرّة في التاريخ انفتح ممر مباشر للسفن بين شمال آسيا وشمال أميركا.
النشاط البشري هو المسؤول عن هذا الارتفاع الناتج عن زيادة انبعاث الغازات، وخصوصا غاز ثاني اكسيد الكربون، فهذه الغازات تحبس أشعة الشمس المنعكسة عن الأرض وتسبب ما يطلق عليه ظاهرة الاحتباس الحراري على غرار ما يحصل في البيوت البلاستيكية. وفوق ذلك فإن بعض الغازات المستعملة في الصناعة مثل الكلورفلوركربون تسبب تآكل طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارّة. وهناك توازن طبيعي بين مستويات الأكسجين وثاني اكسيد الكربون تحققه الحياة الطبيعية؛ فالحيوانات تستهلك الأول وتبث الثاني، والنباتات نهارا تفعل العكس، ثم جاء الانسان بثورته الصناعية ليطيح بهذا التوازن. فتراجعت الغابات وزاد التصحر. ويربط العلماء التغيرات المناخية بظاهرة الاحتباس الحراري. وقرر بروتوكول كيوتو منذ عقدين توزيع مسؤولية خفض انبعاث الغازات على الدول بحصص معينة، وقد نشأت سوق مقايضة سمح بها البروتوكول؛ إذ إن الدول التي لديها هامش لم تصله من الانبعاث تبيع حصّتها لدول أخرى توشك تجاوز حدّها. وتعيق الولايات المتحدة خصوصا تطوير البروتوكول نحو تشدد أكثر لمستويات انبعاث الغاز، رغم تقدير العلماء أن المستويات الحالية لا تفي أبدا بالغرض.
وقد عاشت روسيا أجواء كارثية من الخيال العلمي قبل أيام حين ارتفعت درجات الحرارة كما لم يحصل منذ ألف عام. ويبدو أن النبات مثل البشر لم يعرف ولم يتعود على هذه الحرارة، فانتشرت حرائق هائلة وزحف الدخان على موسكو لأيام مهددا الحياة فيها، بينما بدأ السكان يتأهبون للرحيل الجماعي لكن الأمطار وتغير اتجاه الرياح أنقذا العاصمة الروسية.
وهنا مع درجات حرارة كهذه نتعجب كيف يعيشون في الخليج، ثم إن الكهرباء عندنا لا تستوعب أحمالا زائدة لتشغيل المكيفات، فيبقى الهروب الى تلك المساحة المحدودة من الأحراش؛ لكن الحركة في رمضان تضاعف العطش والمعاناة، وكان أمس الجمعة ذروة الارتفاع في الأردن، حيث تجاوزت الحرارة 42 درجة مئوية في عمان وقد تزيد عمليا عن الدرجة الرسمية المعلنة، والمدن عموما تتسبب في ارتفاع اضافي بسبب الاسفلت والحجر والحديد والسيارات، وأيضا اجهزة التبريد التي تبث الحرارة للخارج مقابل التبريد للداخل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة