استجابة الحكومة للاحتجاجات على مشروع قانون "جرائم أنظمة المعلومات" وإقدامها على حذف أو تعديل النقاط الخلافية، التي أثارت مخاوف الوسط الإعلامي والمواقع الإلكتروية، لم يقلل من هيبة الحكومة ولم يضعفها، بل على العكس فإن المرونة ومراجعة المواقف والقرارات وتعديلها بما يحقق التوافق ويوسع قاعدة القبول هي من سمات الحكم الرشيد.
التراجع في كثير من الأحيان لا يعني أن الحكومة ليست صاحبة القرار، بل هو احيانا مؤشر على القوّة والثقة بالنفس، والمدير الفاشل غالبا ما يجعل من التمترس والغطرسة غطاء يخفي العجز والضعف.
وعندما ثارت ثائرة المواقع الإعلامية الإلكترونية ضدّ القانون، ووضعت برنامجا تصعيديا ضدّ الحكومة متهمة القانون بأنه مصمم خصيصا لتكميم الأفواه وقمع الإعلام الحرّ، قلنا إن القانون لا غبار عليه باستثناء مادّة واحدة، هي التي أثارت المخاوف وطغت على مشروع القانون الذي يغطي فراغا في مجال التشريع الخاص بالمعاملات الإلكترونية التي تشمل كل شيء.
القانون يعالج الجرائم التي ترتكب في المجال الالكتروني ويحدد أنواعها والعقوبات المترتبة عليها. وكما نعلم فمع تطور الكمبيوترات وشبكة المعلوماتية والبرمجة الإلكترونية التي باتت تعتمد عليها الشركات والمؤسسات والمعاملات تطورت أيضا أشكال الجرائم والمخالفات المتصلة بها، والتي لا بدّ من مواكبتها بالتشريعات وهو ما فعله القانون. لكن نصّ المادّة 8 بتجريم "كل من قام قصدا بإرسال أو نشر بيانات أو معلومات تنطوي على ذمّ أو قدح أو تحقير أي شخص" تجاوز إلى قضية من طبيعة إعلامية أثارت الشكوك بأن القانون وضع خصيصا من أجل هذه المادّة التي تستهدف المواقع الإعلامية الإلكترونية.
الحكومة قامت ببساطة بإلغاء هذه المادّة، وعدلت في بند من المادّة 12 التي تجرم "بثّ أفكار تمس الوطني أو العلاقات الخارجية للمملكة أو السلامة العامة أو الاقتصاد الوطني"، لأن لها نفس الدلالات فأنهت المشكلة من أساسها.
وقد شرح الناطق باسم الحكومة وزير الشؤون الإعلامية مغزى التغييرات بالحرص على حماية الحريات الإعلامية، وإزالة أي لبس أو شبهات سببها مشروع القانون. ولم يجد حرجا في القول إن الحكومة أجرت التعديلات بعد أن اطلعت على جميع الملاحظات التي سجلتها مؤسسات إعلامية وهيئات حقوق الإنسان وقانونيون ومهتمون.
كان يمكن أن تعاند الحكومة وتصرّ على مشروع القانون، كما هو، مع أن النصوص مثار الخلاف لن تمكن الحكومة من السيطرة على المواقع الإلكترونية وقمعها ولا منع "الذم والقدح والتشهير والمس بالأمن الوطني والعلاقات الخارجية للمملكة والسلامة العامة والاقتصاد الوطني"، وهي كلها تعابير مطّاطية لا يمكن وضع حدود فاصلة بينها وبين حرية النقد.
ولن ينتقص من هيبة الحكومة إذا قررت غدا أن تتجاوب مع ملاحظات المركز الوطني لحقوق الإنسان حول "قانون منع الجرائم"، وما جاء في تقريره عن أوضاع مراكز الإصلاح والتأهيل ومراكز التوقيف. ولن تضيرها إعادة النظر في الإجراءات بحق حركة المعلمين الذين سيعتصمون اليوم أمام رئاسة الوزراء، فهذه المراجعة تقوي موقفها عندما ترى ضرورة أن تتصلب في قضايا أخرى تقتنع أنها صائبة وتقع في صلب المصالح الوطنية العليا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة