الخبر من جرش، بأن نواب البرلمان السابق المرشحين للبرلمان المقبل قد جلسوا وتفاهموا منذ الآن على تقاسم الدوائر بينهم؛ أي أن ينزل كل واحد من المرشحين الأربعة في دائرة غير التي ينزل فيها زميله. هذا الخبر يصلح كمؤشر مبكر على ما سيحدث في جميع الدوائر!
لو كان تقسيم الدوائر جغرافيا، فلا معنى لأي تفاهم، لأن كل واحد من الأقوياء مضطر أن ينزل في الدائرة التي تتواجد فيها قاعدته الانتخابية المحتملة وقد تكون نفسها لمرشح قوي آخر. أمّا مع الدوائر الوهمية ( أو الفرعية)، فالجمهور يبقى مشتركا في الدائرة الكبيرة والناخب يستطيع أن يصوت لأي مقعد، ويصبح شأن المرشحين فقط اختيار "الدائرة الفرعية" التي سوف يتنافسون على مقعدها والدائرة هي بالطبع مجرد اسم على الورق.
ما يزال كثيرون لا يستطيعون تخيل ما هي بالضبط الدوائر الوهمية "أو الفرعية"، ولا يستطيعون الخروج أبدا من فكرة ان كل مقعد مخصص لناحية جغرافية في الدائرة، ومن الطريف أنك بعد شرح طويل تعتقد أنك أوصلت الفكرة، ثم تجد أنه عندما يذكر اسم مرشح معين يربط على الفور بدائرة افتراضية لمنطقته الجغرافية.
استيعاب الناخبين لفكرة الدوائر الوهمية لا يغير شيئا في الواقع، فهم ينتخبون مرشحهم على كل حال، أمّا بالنسبة للمرشحين فالأمر شديد الأهمية، وهم طبعا يستوعبون جدا ما يواجههم ويعرفون ما الذي يجب أن يفعلوه، وما حدث في جرش هو نموذج لما سيفعله الأقوياء (أو الذين يعتقدون فيما بينهم أنهم الأقوى).
في دائرة مكونة من ثلاث دوائر فرعية؛ فإن المرشحين الثلاثة الأقوى أو الذين يعتقدون ذلك فيما بينهم، سيتفاهمون على ان يحجز كل واحد منهم تسجيلا في دائرة مختلفة فلا يهددون بعضهم، لكن هذا لن ينجح دائما، فمجرد وجود رابع صاحب فرصة قويّة يعتقد أي من المرشحين الثلاثة أنها مماثلة له، فهو سيعمل على الوصول إلى تفاهم مواز معه لينزل بعيدا عنه في أي دائرة أخرى. وقد تنشأ لغايات اختيار الدوائر بورصة تقييمات ومقايضات حتّى الدقيقة الأخيرة للترشيح.
في الدوائر التي تبدو فيها الصورة واضحة بالنسبة لحجوم المرشحين، فالمعركة تكاد تحسم سلفا بتفاهم الأقوياء على نزول كل منهم للمنافسة على مقعد مختلف. وعلى كل حال قد يعلن بعض الأقوياء سلفا ومبكرا عن اختيارهم ليحسب الآخرون حسابهم بالابتعاد عن نفس الدائرة الفرعية، وحالما يغلق باب الترشيح سنعرف سلفا نتيجة عدد كبير من الدوائر. وهذه الفرصة التي يتيحها نظام الدوائر الوهمية ستخلق مصلحة لكثيرين في النظام الجديد، بحيث يصبح هو النظام المثالي حتى لو أنهم كانوا ممن استهجنوه وتندروا عليه في البداية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة