هناك في كل مسألة صواب مطلق، وصواب يعتقده الناس، وقد يتطابق الصوابان، وقد يختلفان، وقد يتعدد صواب الناس ويختلف من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، هذا الفرق بين الصواب الإنساني والحق المطلق هو ما يفتح المجال للفكر والاجتهاد والتطوير، والديمقراطية أيضا، ومن الأقوال المنتشرة كثيرا في التراث العربي "والله أعلم بالصواب".
فالناس يلجأون إلى الأغلبية أو "الجمهور" حسب التعبير التراثي عن الأغلبية، لأنهم لا يعرفون الصواب، فاختاروا أن يلجأوا إلى اختيار الأغلبية، وهذا يقتضي حتما أن الأغلبية لا حق لها بمصادرة الآراء والمواقف الأخرى، لأنها (الأغلبية) يمكن أن تغير رأيها وموقفها، وذلك يعني أيضا أن الأفكار من حقها التعبير عن نفسها بحرية، فلا أحد يجزم بالصواب، هذا الشك هو مصدر التقدم الفكري، والتسامح أيضا.
لقد تقدمت البشرية في العلوم والمعارف والمناهج والتقنيات، ومن المهم كثيرا أن تطبق هذه المناهج والمعارف في فهم الدين وفي التدين أيضا، وعندما يستقل أو ينعزل فهم الدين والتدين عن المسار العام في التقدم العلمي والمعرفي فإنه يتخلف عن مواكبة الحياة، ويعجز "التدين" عن تقديم حلول للمشكلات اليومية وعن المساهمة في الارتقاء والتقدم والتنمية، بل ويصبح عبئا على أصحابه وعلى المجتمعات، وهذا ما يدفع فئات من الناس إلى الاعتقاد بأن الدين (ثمة لبس عام وشائع بين الدين والتدين) يعوق التقدم والتنمية.
ويحدث أيضا انفصام مؤذ للإنسان وتشوه في طريقة تفكيره وسلوكه، يجعله يفقد الانسجام والسلام مع ذاته ومع المجتمع المحيط، وذلك بسبب تقدمه المعرفي والمهني ومواصلة التعلم الذاتي والمؤسسي وتقدمه في مجال عمله ومعرفته، ولكن في فهم الدين والتدين يلجأ إلى مصادر وأدوات معرفية ومنهجية متقادمة لم تعد مستخدمة في العلم والمعرفة، ويحسبها الناس أنها الدين وهي أدوات ومناهج كانت تستخدم في فهم الدين، وربما كانت في أوانها متقدمة وإبداعية، ولكن الزمن لا يتوقف، وتتشكل اعتقادات وأوهام وأفكار كانت متقبلة وسائدة ولم تعد كذلك، ويخاف الناس أن إنكارها أو الدعوة إلى تغييرها هو إنكار للدين نفسه، فترى أستاذا جامعيا أو طبيبا متقدما أو مهندسا أو مهنيا ناجحا في عمله وعلمه، ولكنه يعتقد بالشفاء بمزيج من ورق مكتوب عليه آيات قرآنية مع الماء، حتى لو كان هذا الورق ملوثا، وربما أحضره نصاب من مكب للنفايات، وكان الحبر ساما، وترى شابا درس في أفضل الجامعات ويقوم بأعمال مهنية وتقنية معقدة، ولكنه يعتقد أن جنيا تلبسه، ويلجأ لمن يخرجه منه بضرب رأسه بالحذاء، ويقبل أستاذ جامعي بذل سنوات طويلة في الدراسة والبحث والتدريب أن يتلقى أفكاره ومعتقداته بل وتحليلاته السياسية وتوقعاته المستقبلية من كتاب كان يباع على البسطات قبل عقدين من الزمان عن آخر الزمان وظهور المسيح الدجال، كتبه شخص لا يمت إلى المعرفة والثقافة بصلة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد