لا أدري لماذا يجب على الرئيس وهيئة الحكومة كاملة صرف نصف الأسبوع على حضور كامل جلسات الأعيان والنواب، وهو السؤال الذي دار بخلدي في الماراثون الحالي لخطابات الثقة، حيث تداوم هيئة الوزارة لأيام في مجلس النواب للاستماع فقط ونعرف أنه من المستحيل على المرء أن يحافظ على تركيزه على عشرات الخطابات واحدا بعد الآخر على مدار ساعات (15 دقيقة للخطاب الواحد)، وقد يكون هناك الكثير من الكلام المهم الذي يفقد الحضور فرصة الاستماع له في زحمة الإنشاء الخطابي والشرود والخروج من حين لآخر للاستراحة.
يطلق على ماراثون الخطابات تسمية مناقشة البيان الوزاري للثقة، والصيغة ليست عملية إذا افترضنا بجدّ أنها مناقشة مع الحكومة، فالنواب يخاطبون غالبا قواعدهم الانتخابية والرأي العام إلى جانب أو قبل مناقشة البيان الوزاري وخطّة الحكومة التي هي -بالمناسبة- على درجة من العمومية يصعب مناقشتها.
كنت أفكر ماذا لو أننا لجأنا الى صيغة أخرى لمناقشة البيان الوزاري بأن يقدم كل نائب ملاحظات مكتوبة على شكل نقاط حول كل قضية لديه وجهة نظر حولها مما تضمنه أو لم يتضمنه البيان!! لعلها طريقة أكثر عملية وجدوى تختصر الوقت وتختصر كل الإنشاء الفائض عن الحاجة، لكن كما قلنا فهذه هي المناسبة الوحيدة التي ينفرد فيها النائب بالمنبر والشاشة لوقت طويل أمام جمهور منطقته ومشاهدي التلفزيون وقد تكرست كتقليد وحق للنواب.
الخطابات بهذه الصفة لا تصلح لتقييم موقف النواب عند التصويت، ولطالما ألهبت الخطابات النارية فضاء المجلس ليتفاجأ الجمهور بعد ذلك ان أصحابها لم يترددوا بإعطاء الثقة. وهذه المرّة على العكس فإن الهدوء يسم الخطابات رغم لهجة التشكي والتظلم أو حتى التشكيك أحيانا، لكنها أيضا لا تصلح كمؤشر على الموقف من الثقة وقد سمعت بعض من خطبوا بهدوء يفكرون في الحجب.
التوقعات الأولية هي أن الحكومة ستحصل على ثقة غير مسبوقة بسبب غياب المعارضة الإسلامية، لكن هذا الاحتمال استفزّ آخرين يقولون إنه لا يجوز أن تحصل حكومة على ثقة تصل الى مئة بالمئة ولهذا السبب وحده يريدون الحجب.
الثقة في واقعنا الحالي لم تعد تعني شيئا، فهي لا تعكس تأطيرا سياسيا للمعارضة والموالاة، ومن يصوت على الثقة ليس ملزما في اليوم التالي بشيء، ويستطيع أن يعارض الحكومة كما يشاء، فليس للنائب إطار سياسي يحكمه وكذلك الحكومة، وفي اليوم التالي للتصويت تنتفي في الممارسة الفوارق بين من أعطى الثقة ومن حجبها، فتصويتاتهم قد تتوافق أو تتعارض في كل مناسبة على حدة، وهذا هو الوضع المتوقع أن يستمر إلى أن يظهر البرلمان الحزبي أو الحكومات البرلمانية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة