لو أنهم تأخروا قليلا . . لا نفتقدهم كثيرا في حياتهم فهم متوفرون غبّ الطلب وموجودون لأجلنا بأكثر مما يجب، ونحن لا نني نتعذّر منهم لانشغالنا عنهم حتّى اذا رحلوا نتحسر على ما فاتنا أو فوتناه من وقت محدود وثمين لنكون معهم . . لو أنهم تأخروا قليلا.
أكتب لنهاية العام ولا أستطيع التجاوز عن احساس خفيف بالأسى يشدّني لهذا الحديث .. الأسى الذي راودني في ذروة الاحتفال ابتهاجا بالفوز في الانتخابات . . لو أن والدي لم يكن قد رحل بعد، فقد أعطيته الكثير من الأوقات المؤلمة ورحل قبل مناسبة نادرة للفرح والفخر. فهو لم يخذلني أو يشعرني قطّ بالذنب على ما سببت له من قلق ومتاعب. لم يكن يعرف عن نشاطي السياسي في الخارج أيام الدراسة في السبعينيات، وكنت أغيب شهورا بلا خبر ولا رسائل وهو قلق يستمر بإرسال المال على حسابي البنكي ولا يدري أنني في بيروت أو جنوب لبنان.
بعد عودتي لم يعلم أنني كنت أغامر بالعمل السياسي السرّي، وعندما اعتقلت عام 85 وأتوا بي من الزنزانة بعد أسابيع ليراني، كنت في الطريق إليه أفرك وجنتيّ بشدّة لكي تتوردا لتقديري ان لوني سيكون شاحبا بسبب الغياب الطويل عن الشمس. وخشيت أن قصد الزيارة استخدامه للضغط عليّ لكنه اكتفى بسؤالي عن أحوالي وصحتي، لم يعاتبني ولم يلمني بل شجّعني بكلمات محايدة، ثمّ أسرّ في وقت لاحق أنه كان فخورا برؤيتي صامدا ومتماسكا. بالطبع هو لم يكن سعيدا بمغامرتي في السياسة، السياسة التي ستلحق به ضربة قاصمة باستشهاد أخي ميشيل لكنه لم يتداع ابدا، بلّ ظلّ على الدوام حاضرا وداعما وسندا موثوقا في كلّ شدّة.
وعندما قررت خوض الانتخابات عام 93 مرشحا حزبيا في ظروف غير مواتية، دعمني بلا حساب مادّيا ومعنويا وحصد مرارة الخسارة الى جانب والد زوجتي وهو الآخر سبق وأن تجرع ألم رؤية ابنته ومصدر فخره الطبيبة في الجيش تفصل من العمل ومن متابعة تخصصها بسبب زواجها منّي، وهو بعد ذلك سيبقى قلقا ومهموما على الدوام من نشاطي السياسي وحتّى الصحافي ويبلغ به القلق ذروته مع كل موعد جديد للانتخابات خشية أن أقرر خوضها بما يترتب عليها من أعباء مرهقه مادّيا ومعنويا واحتمالات الفشل في حسابات رجل عززت خبرته بالناس وتجربة الحياة القاسية ميله الغريزي للتشاؤم. كان حنونا يقلق كثيرا على ابنته وعليّ وهو يتابع أي مشكلة أو تحد أو مصاعب تواجهنا ولم نمنحه أبدا الشعور بالراحة والأمان.
في ذروة الاحتفال بالفوز كان ثمّة غصّة صغيرة بالصدر..هؤلاء الآباء لو أنهم تأخروا قليلا بالرحيل..أكثر من أي شخص آخر كانوا يستحقون التواجد في ذلك المساء المفعم بالنشوة والفرح، ذهبوا قبل الفرصة النادرة لمنحهم ولو تعويضا صغيرا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة