هناك شكوك شعبية في أن حسبة الحكومة لتسعيرة النفط تفوق كثيرا الكلفة الفعلية. وثمّة جهود نيابية مع الحكومة لمعرفة هذه الحسبة المعقدة، والوصول إلى الكلفة الحقيقية للمحروقات واصلة إلى المستهلك، أي معرفة ما هي فعلا حصّة الحكومة تحصيلا أو دعما لكل واحد من المشتقات النفطية! لكنْ هبْ أننا اكتشفنا الحقيقة؛ فالحكومة في النهاية تريد معادلة الواردات مع النفقات، والزيادة مهما كانت يمكن تحويلها إلى ضريبة صريحة على الوقود وهي بالنسبة للبنزين قد تصل إلى ضعف كلفته الفعلية، وهذا وفق تقديرات ما يحدث الآن.
الجميع يعرف أن رفع المواد التي تشرف الحكومة على تسعيرها، مثل المحروقات والدخان والمشروبات الروحية وغيرها، هو بمثابة توسع في الجباية من المواطن لحساب الخزينة. ومن حق المواطن أن يعارض هذه الزيادة من دون أن يلقى في وجهه السؤال القديم الجديد عن البديل لسدّ العجز الفادح في الموازنة. فهو لم يكن طرفا في صناعة العجز وبمتوسط بليون دينار سنويا حتى ارتفعت المديونية إلى ما يفوق 11 بليون دينار. وقد يقال إنه كان طرفا بصورة غير مباشرة بالضغوط المستمرة للتوظيف والزيادات في الرواتب والتوسع في الخدمات، لكن من يستطيع أن يقول كم من الإنفاق ذهب بالاتجاه الصحيح وكم منه ذهب هدرا وفسادا. وهذا ما يعود بنا إلى قضية الشفافية ومبادئ الحكم الرشيد التي تتيح للمواطن أن يكون في الصورة وجزءا حقيقيا من القرار، الأمر الذي لم ننجز فيه الكثير حتّى الآن.
لا بدّ أن موجة غلاء جديدة ستتبع الرفع الأخير للمشتقات النفطية، في حين يستمر ركود السوق وفرص العمل والأجور. وليس هناك ما يمكن وعد الشعب الأردني به غير المزيد من ضيق العيش. وهناك مظاهر احتجاج شعبي متوقعة، لكنها مختلفة عن الشجارات الفئوية وأكثر أشكال العنف الاجتماعي تخلفا وبدائية. الاحتجاج لقضايا عامّة يرتقي بالوعي الاجتماعي والانتماء والمسؤولية المشتركة في الشأن العام، وهذا بالمناسبة يتناقض أيضا مع التطاول بالعنف والتخريب والإتلاف للممتلكات العامّة.
الزيادة الجديدة كما قلنا ستطلق موجة ارتفاعات مضاعفة في القطاع الخاص وفي عاصمة باتت الأغلى في المنطقة. ولم يعد ممكنا ترك الحبل على الغارب، ويتوجب النظر في سياسة اقتصادية-اجتماعية جديدة، ومنها الإشراف على الأسعار وتعزيز أنظمة حماية مستهلكي السلع والخدمات، وها هو وزير الصناعة والتجارة يعترف بأن "السنوات التي مرت أظهرت الحاجة إلى إعادة النظر في القوانين بحيث تصبح أكثر ملاءمة لتعظيم دور الوزارة في الرقابة على الأسواق والنشاط التجاري المحلي والتدخل في المغالاة في الأسعار".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة