إنها أول انتفاضة شعبية في دولة عربية تقدر على إسقاط رئيس دولة، وبالتبعية طبعاً سقوط النظام السياسي الذي يمثله. فلم يسبق أن أزيح رئيس إلا بانقلاب عسكري، حتّى لو كانت الجماهير قد خرجت إلى الشارع.
وهكذا أنقذ التونسيون صورة العرب، وحققوا هذه السابقة التي تستعيد إلى حدّ كبير سيناريو سقوط شاه إيران بمظاهرات شعبية عارمة دامت لأسابيع توجت بهروب الديكتاتور الذي ترك خلفاً له يحاول إنقاذ النظام من دون نجاح، بعد فشل خطوات أخرى لإرضاء الشعب وامتصاص غضبه.
ولقد جرت محاولة بائسة للتخريب على يد ميليشيا الأمن الرئاسي حتى بعد هروب بن علي، بترويع الناس وإطلاق النار عشوائيا ونهب المحلات والبيوت، وبالقبض على بعض هؤلاء انكشف الأمر واعتقل رئيس الحرس الرئاسي.
حاول بن علي بعد فوات الأوان اتخاذ خطوات مثل إقالة وزير الداخلية ككبش فداء، ثم إقالة الحكومة والدعوة لانتخابات تشريعية.
ونزل بن علي عن عرش غطرسته ووعد الشعب بعدم الترشح مجددا بعد العام 2014! هذا مع العلم أن عمره الآن 75 سنة، وسيكون قد تجاوز السنّ الدستورية بمسافة، وطبعا كان سيعدّل الدستور تحت ضغط المناشدات والتوسلات الشعبية! كما فعل بإباحة حق الترشيح مرّة ثالثة ورابعة.
في بعض الجوانب، تونس قصّة نجاح تنموي، لكن في تناقض صارخ مع الحداثة والتقدم أقيم نظام أمني استبدادي فاضح يحمي فسادا هائلا. وكان جموح عائلة زوجة الرئيس للإثراء والاستيلاء على الاستثمارات ومشاريع الخصخصة يجري على كل شفة ولسان.
وقد زرت تونس هذا البلد العربي الجميل والمحبب مرّة واحدة بمناسبة القمّة العربية، وفجعني هذا الزيف المذهل للخطاب الرسمي والإعلامي الذي يستخدم كل مفردات حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية والحداثة، بينما تمارس على الأرض أبشع أشكال التسلط الأمني على الناس والمثقفين والصحافيين الذين يتمّ تدجينهم بصورة مخزية. وانعكس ذلك على مستوى الصحافة بصورة يرثى لها.
النظام البوليسي التونسي كان يتناقض بصورة مبالغة جدا مع مستوى تطور البلد والاحتياجات الفعلية لحماية النظام، ومع الحدّ الأدنى للمعايير الدولية، ولذلك كان هناك آلاف المعارضين في السجون ومثلهم في المنافي، وأصبح مفضوحا للأوروبيين تناقض الخطاب الرسمي التونسي مع حقيقة النظام، وهذا بالعادة يكون مصدر احتقار للنظام وسط الشركاء الأوروبيين الذين مع ذلك كان لديهم ما يكفي من البراغماتية للقبول بالأمر الواقع، ما دام النظام متمكنا والشعب مستكينا، لكن لحسن الحظ ها هو شعب تونس يستعيد دفعة واحدة كل الكرامة المهدورة، وإننا لنتيه فخرا به فحيّا الله شعب تونس وشباب تونس وشهداءهم الأبرار.
أمّا المسألة الدستورية فقد تمّ تصويبها بنقل الرئاسة إلى رئيس البرلمان بدلا من رئيس الوزراء، والدعوة الى انتخابات رئاسية جديدة في غضون 60 يوما، فكيف ستمضي الأمور؟ ما يزال يصعب الحكم على الشارع الذي لم يهدأ بعد، وثمّة مشكلة في عدم وجود زعامة شخصية شعبية بديلة تقود المرحلة الانتقالية.
وإذا لم تهدأ الأوضاع تمهيدا لانتخابات رئاسية، فربما يكون البديل اعتبار النظام السياسي منهارا وتشكيل مجلس إنقاذ انتقالي لانتخاب مجلس تشريع دستوري يضع دستورا جديدا للبلاد، وقد يستبدل النظام الرئاسي بنظام برلماني.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة